اراء و مقالاتمقالات وآراء

«تسييس» الحل بعد تراجع التنسيق الدولي… الأردن يتحدث عن الوباء مع ترامب وخصومه ونيويورك

مبادرات للخارجية بعد طلب السعودية «خبرات طبية» وإرسال مساعدات للكويت

 

تبدو مخاطبة الأمريكيين بصورة محددة إستراتيجية عمل أردنية عندما يتعلق الأمر بالتعاطي مع الأزمة الكونية الجديدة بعنوان «فيروس كورونا».
الأردن لديه «قصة نجاح» في احتواء الفيروس والسيطرة عليه على الأرض بخطة مفصلة جداً. ومن الواضح أن عمان تريد إبلاغ العالم عن ما أنجزته في السياق وإلى حد ما في ظل عدم وجود ما يمنع «التكييش» السياسي، خصوصاً أن إجراءات السيطرة على الفيروس رافقتها منظومة حظر وإغلاق «منظمة للغاية» تقول للدول الكبرى والمجتمع الدولي ضمنياً مقولة لطالما رددها رجل الأعمال خالد شاهين باسم «الأردن متماسك وممسوك». بمعنى آخر، ثمة حماسة في مستويات عمان السياسية لأن تتحدث الإجراءات عن نفسها لبقية الدول.
وهو تموقع ميداني هذه المرة يقلص من حالة التهميش والحصار الاقتصادي التي كانت تتعرض لها المملكة قبل اندلاع أزمة الفيروس. لكنه تموقع على الخارطة الإقليمية، فالأردن اليوم وبعد التقدم في التعامل مع فيروس كورونا يرسل «مساعدات» لدول مثل الكويت وإيطاليا وتونس، ويعرض مساعدة للجميع، ولديه ما يصدره للآخرين من إنتاج في مجال المستلزمات الطبية وأسواق واعدة تعاقدت من الآن في الجوار مع منتجي الأدوية والطب الأردنيين البارزين. وهنا يلاحظ بأن الأردن وبكل قواه لا يقف عند حدود التحدث عن تجربته ومحاولة حكومته تسويقها عملياً وسط إقرار واعتراف دولي قوامه شهادات فنية بالنجاح من منظمة الصحة العالمية، وتأكيدات بالدعم ضمن برامج كورونا، تحديداً من صندوق النقد الدولي.
بل يتجه الأردن نحو جرعة «تسييس» راشدة ومدروسة يمكنها، في حال توفر نخب محترفة تديرها وحكومة أكثر قدرة، أن تعيد إنتاج الدور الإقليمي الأردني، وكذلك استعادة هوامش مبادرة أيضاً في المجتمع الدولي، خصوصاً أن لجنة الأوبئة الوطنية حققت سمعة دولية معقولة في الأسابيع الأخيرة.

عملياً، يتصور العمق الأردني اليوم بأن دور وموقع الدولة قبل أزمة كورونا، وخصوصاً في ظل النكران الاقتصادي والاستعصاء مع الإدارة الأمريكية الحالية، وكذلك في ظل تحديات صفقة القرن، ينبغي أن يتغير بعد أزمة كورونا التي قال الملك عبد الله الثاني علناً بأنها بدلت في المعطيات والنتائج وينبغي أن تغير في خارطة المؤسسات الدولية أيضاً.
تلك كانت دعوة جريئة من القيادة الأردنية لاقت صداها في ظل البحث الدولي المحموم عن ما فعله كورونا في المنظومة الدولية أو في شبكة التحالفات، حيث تبدلات كبيرة صعبة الاستيعاب أحياناً، وفقاً لرئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري الذي أصر مجدداً عبر «القدس العربي» على أهمية قراءة التحولات والمستجدات، حيث لا يوجد اليوم ما يمنع الاستثمار فيها، خصوصاً أن الفيروس خنق غالبية دول العالم وقد يؤدي إلى تغيرات هيكلية في النظام العالمي برمته.
لكن الأهم أن عمان تتحرك في الفضاء الإقليمي والدولي ضمن معطيات لا تقف عند حدود تصدير التجربة فقط، على الأقل في فلك الدول المماثلة أو المجاورة. فقد عرضت المساعدة حتى على السعودية، التي طلبت وراء الستارة وبدون إعلان، خبرات أردنية. فيما تحركت دول أخرى من بينها الكويت والإمارات وقطر في اتجاه إظهار الرغبة في الاستثمار بصناعات مفيدة وتناسب مرحلة ما بعد الفيروس.
كل تلك عبارة عن «فرص» ينوي الأردن استثمارها بوعي مسبق له علاقة بأن «العالم تغير»، وأول ما سيطاح به خارطة التحالفات القديمة، والواجب الوطني يتطلب اليوم «برنامج أولويات مختلفاً» يبتكر أكثر في التعامل مع احتياجات الذات وإمكانات التصدير والصناعة لاحقاً. تلك أفكار تقال اليوم في الغرف المغلقة والاجتماعات السيادية.
وثمة وعي أعمق يتبلور في السياق يعتقد أن الرؤية الملكية العلنية على الأقل تمهد بل مهدت له في المقال المثير الذي نشره الملك عبد الله الثاني في صحيفة «واشنطن بوست» التي يملكها ملياردير أمريكي مصنف في دائرة «خصوم» الرئيس دونالد ترامب.
لكن العاهل الأردني، بعد يومين من نشر المقال الذي أثار ضجة سياسية معقولة داعياً إلى مبادرات عالمية تنبذ الخلافات القديمة وتؤسس لعالم جديد بفعل الفيروس وتحولاته، تواصل هاتفياً أيضاً مع الرئيس ترامب في محاولة لفت النظر إلى أن المملكة الهاشمية تريد التواصل في سياق مبادراتها ضد كورونا مع جميع الأطراف الفاعلين، ولا تتقصد التعامل مع خصوم للإدارة الأمريكية.
في الأثناء، ركبت وزارة الخارجية الموجة نفسها وقررت إطلاق وثيقة تضامن مع مدينة نيويورك التي تختلف قيادتها أيضاً مع إدارة ترامب، وتم توقيع الوثيقة من قبل 170 دولة، وستتحول إلى وثيقة في سجلات الأمم المتحدة. وتريد الخارجية الأردنية القول ضمنياً بأن كورونا يعدّ تحدياً عالمياً. وهو ما قاله الملك في مقاله وما أشير إليه في الخبر الرسمي عن مكالمته الهاتفية مع الرئيس ترامب. الأردن يحاول ويناور إنتاج وقائع جديدة على الأرض لا تخدمه فقط، بل تخفف معاناة الفيروس على الجميع عبر «التنسيق» والدعوة لتحالف عالمي يناهضه ويعلن الحرب عليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق