اراء و مقالات

تضخم «الإبراهيميات» يرهق الأردن ومخاوف من سيناريو «الفائض الجغرافي»

أبو ظبي – عمان… من يتبع الآخر في «الإسرائيليات»؟

عمان- «القدس العربي»: لا تبدو وزارة الخارجية الأردنية معنية بطرح السؤال المتعلق بنتائج وتداعيات الحراك التطبيعي السياسي بين دولة الإمارات الحليفة والصديقة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، بالرغم من أن تسارع عملية التنسيق والاتصالات لا بل والتحالف في بعض المفاصل السياسية المهم خصوصاً على المستوى الإقليمي بين الإماراتيين والإسرائيليين، أسهم في عزل الدبلوماسية الأردنية وجعلها في بعض الأحيان تتحرك في فضاء يتبع دبلوماسية أبوظبي وليس العكس، كما كان يحصل في الماضي.
مثل هذه المسألة كانت تثير الحساسيات في أوساط السياسيين والموظفين الدبلوماسيين الأردنيين في الماضي. لكن المرجح الآن أن وزارة الخارجية الأردنية الخبيرة جداً في كل أنماط ومعطيات الاشتباك مع إسرائيل وتداعيات القضية الفلسطينية تجاوزت الإحساس العام بوجود إشكالية لها علاقة بنمو كبير وتضخمي في علاقات إسرائيل ببعض الدول العربية، حتى على حساب المصالح الاستراتيجية أو هوامش المناورة الإقليمية الديناميكية للأردن حكومة وشعباً، وفي عمق معادلة الإقليم أو حتى في عمق معادلة الدور الأردني في القضية الفلسطينية.
تجاوز الحساسيات هنا ينطوي ضمنياً على إقرار مسبق بحجم المناورة وهوامش التكتيك، خصوصاً في المجال الحيوي للإسرائيليات، حيث تل أبيب في كل زاوية إقليمية الآن، وكل الأقنية في مصر والخليج وـحتى تركـيا.

أبو ظبي – عمان… من يتبع الآخر في «الإسرائيليات»؟

وينطوي أيضاً على إقرار ضمني، وإن كان ليس علنياً، بأن بعض الدول العربية الحليفة والصديقة تمكنت من بناء علاقات سريعة تحت ستار السلام الإبراهيمي مع الإسرائيليين، وحظيت بمواقع ومساحات كانت بالعادة مخصصة للأردنيين.
ثمة مخاوف – كما يرى المحلل الاستراتيجي عامر السبايلة- بأن هوامش المناورة تضيق أمام اللاعب الأردني مستقبلاً، وبأن الفرصة متاحة لتمدد دول عربية أخرى على حساب المصالح الأردنية في الدور وحتى في الوظيفة في المسـتقبل القريب، وكـانت «القدس العربي» قد اـستمعت سابقاً لمسؤولين كبار في القصر الملكي يتحفظون بشدة على «تسارع التطبيع» الخليجي – الإسرائيلي ودون مبـادلات سيـاسية مع القضية الفلسطـينية.
وثمة أيضاً مخاوف في المقابل، يتم التعبير عنها بين الحين والآخر وسط كبار النخب السياسية الأردنية من تغيير نمطي استراتيجي في بنية عملية السلام والعلاقات الأردنية – الإسرائيلية لصالح فيزياء جديدة تتشكل على رافعة السلام الإبراهيمي، مما يعيد إنتاج سيكولوجيا صفقة القرن الأمريكية الشهيرة وهي صفقة يقول الأردن علناً، كما صرح مرات عدة وزير خارجيته أيمن الصفدي، بأنه دفع ثمناً غالياً سياسياً واقتصادياً جراء التصدي لها أو تحديها، بينما هذه الصفقة – في رأي المراقب السياسي مروان فاعوري – تتحول إلى واقع موضوعي، وإن كانت بصورة غير علنية، بدلالة الاتفاق الأخير غير المبرر الذي وقعه وزير المياه الأردني محمد النجار في دبي، تحت عنوان خطاب النوايا، وعلى أساس اتفاقية مستقبلية عام 2022 تقضي بتبادل خدمات الكهرباء والمياه. وهي اتفاقية في طبيعة الحال، أثارت جدلاً عاصفاً في الأردن ونتج عنها فوراً انتعاشات ونشاط مفاجئ في كل الوحدات الاجتماعية والحزبية والمدنية التي تعمل في الاتجاه المضاد لإسرائيل وللتطبيع معها.
عودة التطبيع مع الإسرائيليين، في سياق ملفات لها علاقة بالبنية الاستراتيجية وبمساحات سيادية مرتبطة بالأمن المائي وأمن الطاقة، هي مسألة تقلق جميع السياسيين في الأردن، حتى وإن كانت السلطات الحكومية وأعضاء مجلس الوزراء يحاولون ابتلاع هذه المسألة وعدم التعبير عن مخاوف في سياقها. لكن الأهم أن الاندفاع وراء دول عربية مثل البحرين والإمارات ومصر، في إجراء ترتيبات سياسية إقليمية لها علاقة بمربعات ومساحات كان الأردن في العادة يتصدرها ويجلس فيها باسترخاء ضمن جملة مناورة تكتيكية محترفة في كل التفاصيل- أصبح من التحديات الأساسية.
طبعاً، لا يقر المسؤولون الحاليون بمثل هذا التحدي ونمطيته وأعماقه وجذره، ولو على قاعدة وزير الاتصال الأسبق صخر دودين، وهو يتحدث عن»تدوير الزوايا».
لكن الواقع يشير إلى أن العلاقات الإبراهيمية فرضت إيقاعها بعد طول مقاومة السنوات الماضية حتى على مربع العلاقات الاستراتيجية والقديمة بين الأردن وإسرائيل. وهذا وضع تحتاج المؤسسات الأردنية للتفاعل معه وقراءته بعمق، لأنه يؤشر على ضيق هوامش المناورة أمام الدور الأردني، وحتى أمام الدور الدبلوماسي الأردني، وإن كان الحضور الأردني الدولي والإقليمي والعربي في إطار ضمانات منطقية لها علاقة بحراك ونشاط ومبادرات الملك عبد الله الثاني شخصياً، وتحدثه مع الإدارة الأمريكية مؤخراً بصفته يمثل زعماء المنطقة، ومناوراته في كل الاتجاهات حفاظاً على دور بلاده، لا بل على مصالحها، وعلى أمل تأمين أي قدر ممكن من الاحتياجات الملحة.
لكن السؤال يبقى على شكل لغز سياسي اليوم: هل أصبح الأردن لاعباً ثانوياً على الطاولة الإسرائيلية؟ يبدو سؤالاً صعباً؛ فوفقاً للبرلماني العريق والسابق مازن القاضي، لا يمكن إجراء أي تسوية في القضايا الملحة جداً في المنطقة بإقصاء الأردن أو بتجاهل دوره.
دون ذلك، فالسؤال عالق وبقوة؛ لأن المخاوف أصبحت واردة في ذهن المحللين والمتابعين من أن تتمكن أطراف السلام الإبراهيمي بشكله الذي تحفظ الأردن عليه في الماضي القريب، من بناء تصورات جديدة للاشتباك تتمأسس على أساس التعامل مع الأردن وكأنه «فائض في الجغرافيا» ولاعب ثانوي على الطاولة وفي كواليس القرار، وهو وضع تملك عمان كل الخبرة اللازمة للاشتباك معه وإعادة إنتاجه، وفي بعض الأحيان -إذا رغبت- في الصدام معه، لا بل تغييره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق