اراء و مقالاتمقالات وآراء

“تكرار بدون شطار” في انتخابات الأردن: ثقل العشيرة أولا والإخوان ثانيا وأخيرا “فتات الكومبارس”

 

قد يتلاقى خصمان في الموقف والواقع السياسي الأردني عند تلك النقطة التي تتكهن بأن حضور الحركة الإسلامية الأردنية مع حلفائها في برلمان 2020 إذا جرت الانتخابات في الموقع المقرر لها، سينحصر مجددا في مسافة قصيرة تشكل الفارق بين “كتلة برلمانية لا يستهان بها” وبين فكرة المغالبة والأغلبية.

لا أدلة ولا قرائن من أي نوع تفيد اليوم بأن جماعة الإخوان المسلمين التي قررت المشاركة في الانتخابات وبصعوبة داخلية وتنظيمية بالغة، بصدد أي مشاريع أو مقترحات لاستغلال اللحظة الراهنة باتجاه العمل ضمن بوصلة المغالبة في المستقبل في البرلمان الوشيك.

ولا أدلة أو قرائن حتى الآن تفيد بأن خصوم الحركة الإسلامية في دوائر القرار أو غير المتعاونين معها لديهم قناعة بأنهم سيضطرون للتدخل لتقليم أظافر ومقاعد الإسلاميين وبصورة صارخة.

يعني ذلك أن أي تدخلات ضد الإسلاميين أو غيرهم ستحصل قبل يوم الاقتراع لا بل حتى قبل شهر من الاقتراع على الأقل وفي مرحلتين، الأولى هي تشكيل وتركيب وتفكيك القوائم الانتخابية. والثانية هي توجيه ما تيسر من الأصوات أن كانت المؤسسات الرسمية أصلا بموقع التأثير في الميدان بعيدا عن الإسلاميين أو المعارضة. دون ذلك العبث في الصناديق أصبح من الماضي، ومن كان لديه جهد من الرسميين والموظفين عنوانه الاستقطاب ضد التيار الإسلامي عليه ان يقوم بواجبه قبل يوم الاقتراع، الأمر الذي يفسر قناعة دوائر القرار الكبيرة والتي لامستها “القدس العربي” في أكثر من موقع بأن حصول كتلة أغلبية باسم التيار الإسلامي مهمة مستحيلة وغير واقعية، والأهم لا تتطلب مبالغات في التدخل يمكن ان تنتهي بالتشكيك بنزاهة الانتخابات ودون مبرر. وهي مبالغات يقر الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة وأثناء نقاش مع “القدس العربي” بأنها تسيء للمواطن والوطن والدولة لو حصلت على أساس ان التدخلات في الانتخابات الماضية انتهت أصلا بقصف عمر البرلمانات وحل مجالس النواب قبل وقتها وهي مسألة لا مبرر لها.

عند قراءة أعمق في تشخيص العضايلة، يمكن الاستنتاج وببساطة بأن أكبر قوة سياسية منظمة في المجتمع أسقطت تماما اعتبارات المغالبة في الانتخابات مبكرا ولديها تصور له علاقة بالترشح ثم الفوز بعدد مقاعد لا يتجاوز 15 مقعدا ولا يقل عن 10 مقاعد  من أصل 130 مقعدا، تبدو قراءة واقعية لها علاقة بنسبة لا تزيد عن 8 في المئة لصالح التيار الإسلامي وهو يسعى للمشاركة وليس للأغلبية.

 وفي دوائر القرار خفت حدة فوبيا جماعة الإخوان المسلمين عشية الانتخابات، فالنسبة التي يتحدث عنها الرسميون تناهز 7 في المئة من مقاعد البرلمان المقبل وتوصف بأنها واقعية جدا وتمثل حصة الإسلاميين في البرلمان الأردني ولا تشكيل خطرا على خيارات الدولة أو الاستحقاقات المقبلة.

والأهم ان كتلة من الإسلاميين بهذا الحجم مع حلفاء يصلون بالنسبة إلى 10 في المئة من المقاعد أو أكثر بقليل، ليست خطرا بقدر ما هي مفيدة وتعكس الواقع وهو أمر لا يختلف معه القيادي في الحركة الإخوانية الشيخ زكي بني أرشيد وهو يري أن مكون التيار الإسلامي أو الإسلام السياسي لا يريد أصلا أكثر من حصته الحقيقية ويبحث عن شراكات تحت عنوان تحمل المسؤولية الوطنية للتعامل مع مرحلة فيها ما يكفي من الحسابات والحساسيات.

 وهنا قدم التيار الإسلامي مبكرا حجته للرأي العام في تبرير المشاركة بانتخابات فاترة شعبيا وعلى أساس أن الحفاظ على المؤسسات الدستورية مهم ومطلوب في هذه المرحلة تحديدا، لأن الأردن دولة وشعبا مستهدف في ظل الموجة الإقليمية التطبيعية المقبلة.

 يرى الشيخ العضايلة أن المكون الإسلامي في المجتمع أرفع من أن يتخلى عن المسؤولية في ظرف حساس.

 ويرى المكون الخصم في الدولة ودوائر القرار للإسلاميين أن التفاعل مع كتلة متماسكة ومناكفة لا تشكل أغلبية في التشريع والرقابة وضع يناسب أيضا الدولة في هذه المرحلة ما دامت التفاصيل تعكس الوقائع على الأرض.

 لكن هذا التحاور عن بعد بين الخصوم في معادلة الانتخابات الأردنية متكرر في الأساس وان كان التيار الإسلامي يشكل اللون السياسي الوحيد تقريبا الذي يشارك بزخم في الانتخابات وبشكل منظم فيما بقية الأحزاب والتلوينات السياسية أما خاملة أو ليست جماهيرية أو تحتاج انتخابيا وتكتيكيا لدعم السلطة عن بعد حتى تحصل على بقايا بعض المقاعد البرلمانية في عدد محدود جدا من الدوائر الانتخابية وبصيغة أقرب للكومبارس في الأعمال الفنية.

التيار المدني مثلا يحتفظ أصلا بمقعدين حظيا بالدعم في البرلمان السابق والفرصة متاحة لأن يخسر أحدهما في الانتخابات المقبلة ليبقى له مقعد واحد، أقرب إلى صيغة النكهة السياسية أو الطعم الخفيف في طبخة تشريع ورقابة قوامها ما كان يوصفه النائب خالد رمضان دائما بمركز الثقل العشائري الأمني في نطاق أغلبية واضحة تحت ستار الوسطية يقابلها مركز ثقل الإخوان المسلمين.

على الجبهة القومية ثمة أسماء منثورة هنا أو هناك لكن لا مرشحين أقوياء يمكن الإشارة لهم مبكرا، وثلاثة أو أربعة أحزاب قومية تشارك كنكهة اليوم في بعض القوائم  لشخصيات تقليدية أو عشائرية أو لا علاقة لها بقطاع الأعمال على أمل المزاحمة أو المنافسة.

الحزب الشيوعي الأردني بدوره قرر رسميا المشاركة بمرشحين اثنين فقط في دائرتين وىمال ووعود بعدم إعاقة الأقلية من الشيوعيين أو التدخل ضدهم، فيما لا تبدو تلك التشكيلات الحزبية المتهمة دوما بأنها تتبع فصائل فلسطينية كبيرة مهتمة أو منشغلة بانتخابات البرلمان الأردني.

ينطبق القول على نشطاء الجبهتين الديمقراطية والشعبية من الأردنيين الذين يهتمون بمرشح أو آخر هنا أو هناك ولا تخرج حتى حركة فتح عن اتجاهات التلوين وهي تدعم هنا أو هناك مرشحين بصفتهم المستقلة والوطنية وسط قرار تنظيمي بعدم التدخل، فيما يبدو أن التسريبات تزيد بعنوان محاولات تدخل من قبل التيار الفتحاوي الذي يقوده محمد دحلان والمقرب من الإمارات. دون ذلك تغيب أحزاب الوسط الإسلامية أيضا وبوضوح مثير للتساؤل عن واجهة الترشيح بصفة جماعية، وتغيب معها تعبيرات المنشقين عن الإخوان المسلمين سواء في حزب “زمزم” أو جمعية الإخوان المسلمين المنشقة أو حتى في حزب الوسط الإسلامي الذي كان يوما يشكل كتلة أغلبية في ظل مقاطعة جماعة الإخوان الأم، ثم اندثر فجأة وتم تطعيم مجلس الأعيان بممثل منهم مؤخرا فقط.

تلك التعبيرات المتعلقة بأحزاب الوسط  ومزاعم تشكيل تيارات وطنية مفككة أيضا عشية الانتخابات ولا بواكي لها في الدولة والقرار بعد اندثار الرواية التي تقول إن جبهة الوسط هي الوريث الشرعي للإخوان المسلمين.

 اليسار بكل تعبيراته أيضا مفكك ولا يرى المحللون بوادر بصمة من أي نوع له إلا في نطاقات محدودة جدا عن شخصيات من المرشحين ترتدي القميص البعثي أو القومي أو تضع مكياجات التعبيرات العروبية واليسارية وأحيانا المدنية.

يراهن كثيرون في الأردن على مقاربة انتخابية تأتي فعلا بوجوه جديدة.

لكن مع ثبات القانون الحالي وقراءة هوية الغالبية الساحقة من المرشحين المسجلين لا أدلة عميقة على وجوه جديدة. ولا أدلة على اتجاهات مختلفة حتى الآن على الأقل، بل قرائن وأدلة بالجملة والتقسيط تظهر لجميع من يقرأ أو يلجأ إلى التشخيص أن المعادلة ما زالت  في سياق “التكرار بدون شطار”.

 طبعا ثمة شياطين داخل التفاصيل ومرشحون أقوياء تستهدفهم عدة جهات وحشوات من مرشحي القوائم طامحون بالمال وصعوبات تعترض برنامج الدولة في التصدي للمال السياسي.

 لكن الثابت والأكيد حتى اللحظة وقبل الدخول في استحقاق شهر الدعاية الانتخابية أو تأجيل الانتخابات، قوامه عودة غالبية من الوجوه الكلاسيكية القديمة، تكريس الثقل العشائري والمحافظ، وجود شرائح قوية من طبقة رجال المال وتطعيم ونكهات في بعض التعبيرات ومنها الشخصيات المستقلة.

 وأخيرا كتلة وحيدة منظمة جدا في المرتبة التالية بعد أغلبية نواب الموالاة بتوقيع الإخوان المسلمين.

يعني ذلك بالخلاصة الأخيرة لا جديد في انتخابات الأردن حتى اللحظة ليس فقط في الوجوه والملامح، ولكن أيضا لا جديد في بنية واستراتيجية وتكتيك آليات الرقابة والتشريع وفي تلك العلاقة التي تماثل النوم فعلا في فراش واحد دوما وأبدا بين سلطتي التشريع والتنفيذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق