اراء و مقالاتمقالات وآراء

حكومة الأردن تحاول تبديد «الضجر السياسي»: سياسة «الدفع الإلكتروني» خارج المكاتب تختبر «رعوية الدولة»

حرب معلنة على «الفساد الصغير» أما «الكبير» فوضعه معقد

 

 تحاول الحكومة الأردنية بحلتها الجديدة بعد التعديل الوزاري الأخير أن تفعل شيئاً من أي نوع لتبديد «الضجر السياسي» والإيحاء بـ «حراك بيروقراطي» لصالح العصرنة والتحديث فيما تراقب منصات الأردنيين بأحكام مسبقة كل صغيرة وكبيرة خصوصاً في مجال أداء ومظهر وكلام الوزراء.
وزير الاتصالات والريادة قليل الكلام عموماً مثنى غرايبة فجر المفاجأة الأبرز خلال الساعات القليلة الماضية عندما أعلن أن الحكومة قررت العام المقبل حظر «الدفع المالي في المؤسسات والمكاتب» والاعتماد فقط على «الدفع الإلكتروني». وقال الوزير ان تلك ثقافة ينبغي أن تسود بين الأردنيين وأقر لأول مرة رسمياً بأن دفع البدل النقدي المباشر للموظفين يهدر الوقت ويشكل وسيلة «للفساد الصغير» وتضييع الأموال. وتجنب الغرايبة الإشارة لحكومة إلكترونية تستطيع مواجهة «الفساد الكبير» وإكتفى بالحديث عن الصغير ويقصد على الأرجح صغار الموظفين والرشوات التي تتجول أثناء مراجعة إصدار التراخيص ومعاملات المواطنين.
قبل ذلك كان العاهل الملك عبدالله الثاني شخصياً قد سأل أمين العاصمة عمان الوزير يوسف الشواربه عن الوقت الذي يلزمه للتحول إلى الدفع الإلكتروني وإنجاز المعاملات إلكترونياً او عبر الهواتف. تقصد الشواربه أن لا يبالغ بالإجابة ويتجنب أي تشويش في المعطيات وتحدث عن حاجة مؤسسات البلدية لثلاث سنوات على الأقل لكنه لمح لمقاومة عكسية ثقافية واجتماعية.
بعد تلك الإجابة بوقت قليل حاول موظفون تابعون للبلدية مهاجمة مكتب العمدة لأسباب تخصهم واضطر الجميع لمشاهدة طاقم رئيس بلدية العاصمة وسط حراسة من الدرك. لافت للنظر أن الحديث عن الدفع الإلكتروني لا يرافقه أي تفكير بعد بأساس عملية الإصلاح وهي الانتقال إلى مستوى «العمدة المنتخب» بمعنى أن يتمكن أهالي وسكان العاصمة من انتخاب رئيس بلديتهم كما يحصل في كل مدن العالم. وعندما لفتت «القدس العربي» نظر الشواربه للأمر أشار إلى ان الأمر مبكر وخارج اختصاصه.
الشواربه كان قبل ذلك قد تحدث على هامش نقاش تفصيلي مع «القدس العربي» عن الانتقال سريعا إلى التحول لخدمات إلكترونية بنسبة 80 % من المعاملات التي تخص مؤسسات البلدية مقراً بأن المرجعية الملكية كانت تستفسر دوماً عما يسميه الوزير الغرايبة بـ»الفساد الصغير» حيث تتعطل مصالح مواطنين ومستثمرين بسبب الترهل وذلك الفساد الصغير وبسبب تكدس الموظفين في جسم مؤسسات العمل البلدي في العاصمة.

ثمة مقاومة عكسية ثقافية وإجتماعية لا بد من التعاطي معها – شرح الشواربه وهو يضيف: من جهتي ينبغي ان نصل لمرحلة لا يحتاج فيها المراجع اصلا لزيارة مكاتب العمل البلدي.
لكن تلك اهداف مامولة وصعبة التنفيذ وكلفتها عالية حسب الكثير من الخبراء والمراقبين لإن برامج تاهيل موظفي القطاع العام قاصرة ولأن التوظيف في البلاد يبقى على المحك مفهوم دولة الرعاية حتى بعدما قرر رئيس الحكومة تسميته بـ «التشغيل» في القطاع الخاص.
اختصرها الوزير الغرايبة بدوره وتحدث عن حالة إلكترونية تجتاح العمل الإداري العام المقبل.
فهل يعني ذلك أن المؤسسات الحساسة والسيادية في إدارة الدولة تخلصت من تحفظاتها على مشروع الحكومة الإلكترونية المثير للجدل؟
وهل يعني أن الرئيس الدكتور عمر الرزاز سيحظى بشرف تحويل المؤسسات إلى المعاملات الإلكترونية؟
طبعاً تلك أسئلة لا أجوبة حاسمة عليها الآن وإن كان التحول الإلكتروني قدري الطابع حيث سبق لمشروع التحول للحكومة الإلكترونية ان طرح منذ 15 عاماً لكنه لم يعبر فعلاً ويرى النور تم تأخيره عشرات المرات لأسباب بيروقراطية او أمنية او اجتماعية في مرات عدة وسط فوبيا التغيير الاداري وخشية من إنكشاف نظام ومضمون «دولة الرعاية» حيث يوجد في بلدية العاصمة وحدها عدد موظفين أكبر بكثير من عدد المقاعد المخصصة لجلوسهم.
بكل حال حاولت حكومة الرزاز هنا الضرب على أحد الأوتار الحساسة في الإدارة العليا وتبديد الضجر السياسي. وفي الواقع يستطيع وزير حداثي ومعارض سابقاً وظهر في الشارع ولا يهضمه جسد الدولة أصلاً مثل مثنى الغرايبة ان يدلي بأي تصريحات من هذا النوع.
لكن مسألة التحول للدفع الإلكتروني تعني ببساطة التحول لنظام الخدمات الإلكترونية لاحقاً اذا كان الغرايبة يريد ان يكون منطقياً وعملياً فمن يدفع إلكترونيا ينبغي ان يحصل على ما يريده إلكترونياً أيضاً والوزير تقصد الحديث عن «الدفع» الالكتروني هنا لكنه تجنب «الرفع» في الحديث عن الخدمات.
تلك من مؤشرات التحاذق الوزاري التي تحاول الهرب بالتوازي من استحقاقات مشروع الحكومة الالكترونية الذي لم تقرر بعد مؤسسات القرار المرجعي مصيره والذي ينمو في أروقة صناعة القرار ببطء شديد ومع كل اصناف التردد والتوجس والخشية من التداعيات.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق