اراء و مقالاتمقالات وآراء

حلفاء الأردن وكورونا: تحية أمريكية بخيلة… اعتذار خليجي وجحود إسرائيلي والأكرم الصيني

 تقدم حكومة الولايات المتحدة مبلغاً صغيراً جداً لمساعدة الأردن على التصدي لفيروس كورونا قوامه ثمانية ملايين دولار فقط. طبعاً، لا تتوقع عمان أصلاً أكثر من ذلك.
لكن المبلغ باعتباره من «الحليف الأكبر» ينطوي على «دلالة سياسية» يؤمن فيها اليوم كل من يديرون الاجتماعات المغلقة في غرف القرار الأردنية بأن «طبيعة تحالفات الماضي» تبدلت، وهو ما يقر به ويدعو إلى تأمله رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري.
ولوحظ في المسألة على الهامش زمنياً أن «المساعدة الأمريكية البخيلة جداً» لحليف مهم له دور أساسي في «مكافحة الإرهاب» ودعم عملية السلام نشر النبأ عنها من الأمريكيين مباشرة بعدما صرح الملك عبد الله الثاني أن بلاده ستتوسع في إنتاج وتصدير الأدوية والمستلزمات و»الخبرات الطبية» إلى الأصدقاء، مضيفاً.. «بما في ذلك الولايات المتحدة». كما برز نبأ المساعدة البخيلة نفسها بالتزامن مع الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأردني أيمن الصفدي.
في الاتصال الأخير، تحدث الصفدي لموسكو عن الاستعداد لـ»التعاون» في مواجهة فيروس كورونا، وعبر على القضية الفلسطينية والملف السوري، وأغلب التقدير أن الصفدي رغب في التواصل مع لافروف أصلاً بسبب أولوية التأكيد على الموقف الأردني، وقوامه.. «إذا فكر المجتمع الدولي بمكافحة الفيروس وسط مخيمات اللجوء السوري داخل سوريا فعليه أن يخرج الأردن من حساباته». قالها الصفدي قبل الاتصال الهاتفي بلافروف: الأردن لن يقبل العودة إلى قصة مساعدة اللاجئين انطلاقاً من الأراضي الأردنية ومن منطقة الركبان تحديداً. وقيل مبكراً في غرفة القرار الأردنية بأن العودة إلى استخدام الأراضي الأردنية كقاعدة لمساعدة اللاجئين بذريعة فيروس كورونا أمر «محظور صحياً» وتحذر منه لجنة الأوبئة، ويمكن أن يضر بالإنجاز الأردني في مساحة «احتواء الفيروس».
في الأثناء لا يبدو أن الأمر يقتصر على «بخل الإشارة المالية الأمريكية» العملي، فشريك وجار السلام الإسرائيلي لا يقدم أي تعاون ولا حتى على الصعيد الاستشاري أو الجغرافي في مسألة تحديات كورونا، وعلى العكس رصد الإسرائيليون وهم يحاولون الالتفاف وأحياناً «استعارة» منتجات طبية بصورة تصدت لها المؤسسات الرقابية الحريصة.
سجل إسرائيل في أزمة كورونا «إجرامي» بطبيعته، وفقاً لكثير من التقارير الدولية. وعندما تعلق الأمر بدول خليجية صديقة مثل الإمارات والكويت وقطر، قيل للأردنيين بوضوح بأن قصة المساعدات المالية المباشرة «انتهت تماماً»، وما يمكن أن يقدم هو الاتفاق على استثمارات في الأردن بالشراكة مع القطاع الخاص في إنتاج صناعي محدد مسبقاً تحتاجه أسواق تلك الدول. قيل ذلك بوضوح في اجتماعات تقييم الفرصة الاستثمارية المقبلة.
حتى حركة الشاحنات بين الأردن والسعودية نتج عنها خلال اليومين الماضيين التوثق من تسجيل 12 إصابة على الأقل بين السائقين المتحركين، بمعنى أن أي عمليات «لوجستية» عبر الحدود ولأي سبب أصبحت تشكل خطراً على خطة عمان في مواجهة الفيروس.
وبالتالي، ما يحاول الوزير الصفدي فعله دبلوماسياً هو التواصل مع الدول الأخرى كلها تحت عنوان «حملة عالمية لمواجهة كورونا»، وهي نفسها الدعوى التي كان العاهل الأردني عملياً أول من أطلقها وسط زعماء العالم. وعليه، يمكن التوقع بأن الحراكات والمبادرات الدبلوماسية النشطة قدر الإمكان حالياً مقتصرة على كورونا، لكن بدون بناء تصورات واهمة أردنياً عن «أصدقاء الماضي»، فآخر المطاف -كما لاحظ الوزير الأسبق محمد الحلايقة- أن التنويع في المصالح يتطلب التنويع في التواصل، حيث إن «أكبر مساعدة فعلية» حتى الآن حصل عليها الأردن منذ اندلعت أزمة كورونا كانت «صينية المنشأ».
وعلى انشغال النخبة الأردنية بالاستفسار عن دور تحالفات الماضي برزت حتى في مستويات القرار ملاحظات جوهرية. ولم يقتصر الأمر على «بؤس المساعدة المالية الأمريكية» التي يقدر وزير المالية الدكتور محمد العسعس خلف الستارة بأنها «عربون صداقة» ليس أكثر، ولا ينبغي بالاتجاهين تحمليها أكثر مما تحتمل. لكن العسعس ليس وظيفته الغرق في «قراءة سياسية»؛ فقد أبلغ «القدس العربي» مبكراً وقبل اندلاع حريق كورونا العالمي بأن الوصفة الوطنية في تدبير شؤون الذات والاعتماد على النفس هي الأساس في مجمل خطة الإصلاح الاقتصادي.
على جبهة العسعس وغيره من «كبار لاعبي الاقتصاد» في المؤسسة الأردنية، فإن أزمة كورونا التي نجح فيها القطاع الطبي والعسكري والأمني حتى الآن هي»فرصة» لتدريب ومناورة بالذخيرة الحية على حكايات «الاستثمار في القدرات والاعتماد على الذات»، وهي بالمناسبة مدرسة رئيس الوزراء أيضاً الدكتور عمر الرزاز. لكن ما هو غير واضح بعد حتى بالنسبة للحلايقة والمصري وبعض خبراء الاقتصاد هو: كيف نفعل ذلك؟
ثمة في الأفق رؤية ملكية «تكتيكية عميقة» من الواضح اليوم أنها تشكل محوراً في خطة حكومة الرزاز. بالمقابل، من الواضح أيضاً أن السؤال يطرح نفسه دوماً عن أقصر الطرق وأكثرها إنتاجية في «تنفيذ» المفاصل في ظل تركيبة النخب الحالية في غالبية المؤسسات، خصـوصاً مع غياب «المطبخ الاقتصادي» الحـقيقي والـخبير اسـتثمارياً لصالح «المالي»، ومع الفوضى التي تحيط بشراكات مشكوك فيها مع بعض وليس كل رموز القطاع الخاص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق