اراء و مقالاتمقالات وآراء

حملة أمنية «تقرأ كل الأسطر»… هل بدأ يتكون مفهوم «الأمن الداخلي» المؤسسي لأول مرة في الأردن؟

 

 قد لا يبدو بعيد المنال كما كان يحصل في الماضي، حيث زحام في الإجراءات بالمنسوب الأمني، وتقاطع تصورات شخصية لمسؤولين ينتهي أو سبق أن انتهى بتواطؤات من كل الأصناف مع «أوضاع خاطئة» أو مع مخالفات مستقرة للقانون.
الزحام في المألوف البيروقراطي الأردني كان دوماً يعيق الحركة. لكنه اليوم يعيق «الاستقرار الأمني الداخلي» إذا ما توقفت عملية سياسية مباشرة ومتسعة ووطنية بامتياز وتحظى بالأضواء الخضراء من قمة هرم الدولة إلى قواعد المجتمع. وهي عملية اتخذت مؤخراً شكل الاشتباك النادر مع شرائح عريضة باسم البلطجة وأرباب السوابق وفارضي الإتاوات.

تحييد أكثر من 600 بلطجي وتشريد العشرات وردع مئات من «صغار الزعران»

وشاهد الأردنيون جميعاً بحماسة نتائج مبهرة إلى حد كبير عندما قررت مديرية الأمن العام بأن قطاعات البلطجة ليست أقوى منها. وعندما اشتبكت في عملية أمنية واسعة خف الضجيج الإعلامي عنها مؤخراً لأغراض التعمق في التحقيق واستنباط الدلالات ولأغراض تخفيف التوتر الاجتماعي عشية الانتخابات البرلمانية، في جملة توقيت تكتيكية عميقة تظهر بأن مؤسسة الأمن العام تقرأ كل الأسطر الآن في المصلحة الوطنية بعضها مع بعض، خلافا لما كان يحصل في الماضي، حيث القراءة والتصرف بالقطعة والتقسيط وأحياناً بالتنقيط الإجرائي.
وفي كل حال، الحملة الأمنية الشهيرة منتج يحتفل به الجميع الآن لأول إفرازات مشروع الدمج لقوى الأمن الداخلي، وهو المشروع الذي اعتبر باكورة إعادة الهيكلة في الاتجاه الصحيح. ويخضع لعملية تقييم مؤسسية وحرفية رفيعة المستوى وأهدافه منطلقة ومنسجمة مع رؤية مرجعية وملكية لا تقبل إلا التطور والنجاح، كما فهمت «القدس العربي» في وقت سابق للحملة الأمنية الأخيرة من رمز مشروع الدمج المنتج الجنرال حسين الحواتمة، الذي علّق ورفاقه في مديرية الأمن العام بمختلف أجهزتها مؤخراً جرس الاشتباك بدلاً من الإنذار.
ونتج عن العملية حتى الآن ما لم يتصوره أو حتى يتخيله أي من المراقبين في الواقع عندما تعلق الأمر بتنفيذ توجيهات ملكية تقضي بإخضاع مخالفي القانون إثر جريمة بشعة دخلت في قاموس الجريمة الأردنية من أسوأ الأبواب وسميت بجريمة «فتى الزرقاء» وشهدت عملية بتر لذراعي وفقء لعيني شاب في الـ 16 من عمره. اعتقلت قوات الأمن 17 جانياً في تلك الجريمة بسرعة وبعد ساعات من وقوعها فقط. ولاحقاً أعلنت حملة أمنية أفقية.
تقول النتائج حتى الآن معطيات غير مسبوقة، فقد تم عملياً «تحييد» نحو 600 شخص أو مجرم من المطلوبين وأرباب السوابق وفارضي الإتاوات.
وخلال أيام قصيرة وبعمليات منسقة تماماً، أظهرت كفاءة الأجهزة واحترافها.
وفي الأثناء، ارتدع بالنتيجة آلاف من صغار الزعران والبلطجية ومخالفي القانون، وتوقفت حالات الاعتداء على المجتمع.
ومن المهم الإشارة إلى أن بعض المطلوبين أو الخطيرين الذين تمكنوا من الإفلات أو الهرب حتى الآن، وعددهم قليل بالمناسبة، لا يزالون قيد الملاحقة، لكن تم تحييدهم أيضاً ووقف إيذائهم لا بل إخراج بعضهم من مناطق نفوذهم الإجرامي، وهي مسألة يعرف عنها المختصون في غرف العمليات فقط.
في الأثناء، تمأسست تقاليد ثقافية جديدة؛ فقد أصبح الحكام الإداريون أكثر تعاوناً مع أجهزة الأمن، وأظهر طاقم الجنرال حواتمة قدرات فنية ملموسة في الاشتباك والمناورة وجمع المعلومات والمبادرة في الميدان.
ويمكن القول، تحت بند ما لا تلتقطه مجسات الإعلام والرأي العام، إن للعملية الأمنية الأخيرة في جوهرها وأعماقها أهدافاً أبعد وأكثر عمقاً، فقد تأسست اليوم تقاليد ثقافة مصادرة للوساطة في مثل هذه الحالات الجرمية، ما قبل المحاكمة وأثناء التوقيف، وهو الأمر الذي اعتبره الملك عبد الله الثاني شخصياً من الخطوط الحمراء وغير المقبولة. وفي السياق أيضاً، ارتدعت بعض المفاصل الوظيفية والبيروقراطية التي احترفت أو تعودت أو كسبت من استرخاء المفاصل في المعالجة الأمنية، وأصبحت الفرصة أكبر أمام أي قيادة ناضجة لفلترة ما يجري، خصوصاً في تلك المنظومة البيروقراطية التي تتعامل مع أي مخالف للقانون من لحظة الإبلاغ عنه إلى لحظة تقديمه لمحكمة.
وبينهما سلسلة متشابكة ومعقدة من الإجراءات يقوم بها موظفون كان بعضهم يتغافل أو يتواطأ ولأسباب متعددة في الماضي. ومنح قرار لمدير الأمن العام الأردني المواطن، ولأول مرة، حق تقديم شكوى أو ملحوظة أمنية في غاية السرية وعبر تقنية «واتس آب» وإلى رقم محدد ودون الكشف عن هوية من يبلغ من المواطنين، فيما شجعت الحملة الأمنية المجتمع وأصحاب المحلات التجارية على رفض الخضوع لأرباب السوابق وفارضي الإتاوات لا بل التمرد عليهم في كثير من الأحيان.
الأهم عملياً أيضاً هو حجم المعلومات المنسقة التي تتاح اليوم لمديرية الأمن العام ورجالها جراء التعمق في التحقيقات والتفويض الملكي بالضرب، وعدم التراجع، وبمنع قبول الضغوط والواسطات، حيث حزمة لا يستهان بها من معطيات التحقيق تصلح ليس فقط لفهم ما كان يحصل على مدار سنوات في العالم السفلي، لكنها تصلح أيضاً لبناء استراتيجية أعمق وأشمل تحقق لأول مرة هدفاً منظماً ومبرمجاً وباسم «مفهوم الأمن الداخلي».
ويعلم الفرقاء بأن هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت، وهو بمثابة المحطة التالية بعد نجاح مشروع الدمج للأجهزة الأمنية، الأمر الذي يبرر تلك المشاغبات والتحرشات من هنا وهناك بالمنطق الأمني العصري المستحدث.
وعليه، تكشف تحقيقات الحملة الأمنية ولا تزال، معطيات في غاية الأهمية كانت تستقر في الماضي بمنطقة «المسكوت عنه» لكنها لم تعد الآن كذلك، ووسط هذا الاشتباك الجنرال الشاب الحواتمة ونخبة من مساعديه ورفاقه.
تكريس الأمن الداخلي هذه المرة كمفهوم قد يكون ضرورة وطنية ملحة تخدم البلاد والعباد والدولة والنظام والقانون والمؤسسات ليس في الداخل والخارج. وحتى لا يعاق ما أنجز من المشروع اليوم، يفترض أن تعيد بقية المؤسسات حساباتها وتترفع عن أجنداتها لصالح تمكين استقرار هذا المفهوم ولأول مرة على المستوى الداخلي في مجال الأمن الأردني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق