اراء و مقالات

«حوار طرشان» في الأردن في ملف الأمن الغذائي… لماذا هدمنا «صوامع» القمح؟

عمان – «القدس العربي»: يصلح النقاش العاصف الذي تشهده الأسواق المحلية الأردنية هذه الأيام بخصوص أزمة لحوم الدجاج كمقطع عرضي سياسي لكثير من النقاشات والسجالات التي بدأت تطال قضايا محورية وأساسية للمواطن تحديداً في مستوى إدارة خدمات القطاع العام، حيث صيغة أقرب إلى حوار الطرشان، وحيث بدلاً من جلوس الفرقاء والمؤسسات المعنية على طاولة واحدة، وفقاً لما يطالب به دوماً رئيس غرفة تجارة عمان خليل الحاج توفيق، لمعالجة أي أزمة أو رواية أو مشكلة تحصل- يتحدث كل طرف معني بمعادلة الأسواق منفرداً ويعزف لحنه وحيداً، بحيث تتزاحم الروايات والسرديات، ويبرز التلاوم مجدداً، مع أن المسألة قد تكون أبسط جداً إذا جلس أطراف العملية على طاولة واحدة. وهو في كل حال دور الحكومة التي تغيب وتظهر بين الحين والآخر دون حراك منتظر يعالج ويحتوي.
لذلك، بدا المشهد في جدل الغذاء وأمنه، وتحديداً في الجزء المتعلق بالدجاج وبضعة سلع تموينية أخرى مؤشراً مقلقاً على كيفية الاشتباك والتعاطي مع أزمات الواقع الصغيرة حتى عندما تحصل.
نقابة تجار المواد الغذائية طالبت في بيان لها ظهر الأحد، بإجراء تحقيق حول تلك الشكاوى التي تكاثرت بعنوان إختفاء سلعة الدجاج من الأسواق أو ارتفاع أسعارها. رفضت النقابة ما سمّته بـ “تقديم معلومات مضللة للرأي العام”، وافترضت بأن إجراء تحقيق شفاف ومستقل هو الآلية باتجاه محاسبة التقصير.
بدأت أزمة الدجاج بملاحظة مواطنين عدم وجوده على لوحات العرض وفي المحلات التجارية، وانتهت اليوم بعد سجال استمر أسبوعاً بالطرق على ملف الأمن الغذائي بكل تعبيراته الجوهرية. وتصر جمعية حماية المستهلك ومعها ممثلون للقطاع التجاري، على أن غياب وارتفاع أسعار مادة أساسية مثل لحوم الدجاج، مسألة ليست من النوع التي يمكن التغاضي عنها.
ملاحظات المواطنين هنا ليست من الطراز الذي يمكن تغافله. وكتب الناس على منصاتهم وبكثافة أنهم لا يجدون الدجاج في أقرب سوبرماركت لهم، وصغار التجار يقدمون القرائن يومياً على أن الكميات التي يطلبونها من هذه السلعة لا تصل من الموردين الكبار. والجميع لاحظ بأن المطاعم، مثلاً، بقيت تقدم خدماتها خلال عطلة العيد على مدار الساعة ودون ظهور نقص في المادة نفسها. وطرح كثيرون السؤال اللغز: لماذا تختفي سلعة الدجاج من المحلات التجارية ولا يحصل ذلك في المطاعم؟
ويوحي السؤال مجرد إيحاء بمسألتين لا تريد وزارة الصناعة والتجارة الإقرار بهما، وهما: أولاً حصول حالة “احتكار”، وثانياً احتمالية وجود سيناريو يفترض بأن الموردين الكبار يبيعون الدجاج للمطاعم قصداً، ويمنعونه عن المحلات التجارية الصغيرة والمتوسطة بسبب مطامع سعرية. طبعاً، تلك فرضية يلمح لها بعض الخبراء وتؤشر عليها بعض إفصاحات جمعية حماية المستهلك.
لكن الجهة الرسمية التي ينبغي أن تضمن عدم حصول ذلك أصلاً هي وزارة الصناعة والتجارة، التي أنكرت بدورها مرتين علناً على الأقل حصول مخالفات في الأسعار المحددة لسلعة الدجاج، ونفت في المقابل وصول شكاوى حقيقية حول اختفاء السلعة من الأسواق، مع التلميح لحصول اضطراب ناتج عن زيادة الطلب وفي مواقع محدودة جداً.
طبعاً، لا يعرف الجميع بأن المقصود هو الدجاج المحلي، لأن المستورد يتم السماح به للتجار بصورة غير منتظمة وبكميات صغيرة وتحت يافطة حماية المنتج المحلي. لكن القطاع التجاري بالمقابل، وهو المسؤول عن المستوردات، إذا سمح له بها يشتكي من أن التحكم في الكميات المعروضة محلياً ليس في مصلحة المواطن. والتلميحات وسط التجار والمواطنين بالجملة عن ضرورة تعزيز الأمن الغذائي عند الأردنيين، وتوفير فرص عادلة ومنصفة ضمن سياسة تحرير الأسعار، حرصاً على مصلحة المواطن والمستهلك.
طبعاً، الاتحاد الذي يمثل مربي الدواجن يحصل من الحكومة والسلطات على ضمانات حماية المنتج، لكنه صرح أمس الأول بنفي اختفاء الدجاج أصلاً من المحلات التجارية، وبعدم وجود شكاوى حقيقية، وبحصول نقص محدود فقط نتج عن عطلة العيد. وصرح الاتحاد بأن السوق ستستقر وتعود إلى طبيعتها قريباً جداً، وضمن أسقف الأسعار المحددة حقوقياً.
وقدر كثيرون بأن بيان الاتحاد المعني بالدواجن سياسي وتبريري ليس أكثر.
وتحدث آخرون عن التذاكي. لا بل اعتبرت نقابة تجار المواد الغذائية عدم جواز تقديم معلومات مضللة للناس والسلطات دون تحديد الجهة التي تفعل ذلك.
في كل حال، أزمة الدواجن في أسواق الأردن وبصرف النظر عن جذرها وأصلها، طرقت الحبل العصبي المشدود عند مخاوف الناس، وضربت مجدداً على وتر الملف المعني باسم الأمن الغذائي؛ لأن العديد من الأصناف الأساسية إما ارتفع سعرها أيضا أو نقصت كمياتها المعروضة بسبب مشكلات خارجة عن إرادة الحكومة وتحصل في العالم، أهمها مرحلة الفيروس كورونا ثم الحرب الروسية على أوكرانيا وما نتج عنها.
والأمر أردنياً، على الأقل عندما يتعلق بمفهوم الأمن الغذائي، قد لا يقف عن التعبيرات التي تلفت النظر لها أزمة الدواجن حصرياً، فبالنسبة لخبير محلل اقتصادي مثل الدكتور أنور الخفش، يصبح السؤال شرعياً: كيف تسمح حكومة في هذا الزمن الصعب بهدم الصوامع المعنية بتخزين القمح مثلاً، ثم تغرق مع بقية المؤسسات في الحديث عن الأمن الغذائي؟
يبدو الخفش منزعجاً جداً طوال الوقت من الآلية التي سمحت بهدم صوامع تخزين الحبوب والقمح، ويتحدث عن الحاجة الملحة جداً لمقاربة وطنية أكثر عمقاً ودراية ليس في مجال الأمن الغذائي فقط، فهو تحصيل حاصل، لكن في ضمان وجود الغذاء والسلع الأساسية والخدمات وبأسعار متزنة معقولة على طاولات جميع الأردنيين، وتحديداً الأضعف في القدرة المالية منهم.
لذلك فقط تدخل جميع المؤسسات الرسمية والتجارية على ملف الدواجن، فالمسألة أعمق وأصعب وأعقد، وبدأت بالفراخ وقد لا تنتهي عندها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق