اراء و مقالات

حي الشيخ جراح ينكأ الجرح السياسي الأردني: القوة الناعمة في مواجهة «عبثية» الرهان على العمق الإسرائيلي

تخشى المؤسسات الأردنية في الباطن السياسي من ان يؤدي مشهد الحي المقدسي إلى ترسيم انتفاضة ثالثة تعيد الصراع إلى المربع الأول وترهق جميع الأطراف.

عمان-»القدس العربي»: قد لا يتوفر مبرر قوي لاحتفال بعض اليساريين والمعارضين الأردنيين بصدور عبارة «الكيان الصهيوني» على لسان مسؤول بارز في الحكومة ولأول مرة منذ توقيع اتفاقية وادي عربة.

العلاقات الأردنية مع إسرائيل أصلا سيئة جدا ومترنحة.
واستقبال عمان لموظف أمني إسرائيلي رفيع المستوى مؤخرا ليس أكثر من محاولة لتخدير مشاعر الغضب والارتباك الأردني من جهة مؤسسات العمق الأمني الإسرائيلي التي زاد معدلات ضربها على أمل احتواء انزعاجات الأردنيين.
بين الحين والآخر يسعى العمق الإسرائيلي لتخدير عمان بمقولات أصبحت معلبة تحت عنوان الشراكة والصداقة فيما تلاحظ أدق محطات الاستشعار في القرار الأردني بأن دور المؤسسات الإسرائيلية العميقة بصرف النظر عن ما تقوله أو تدعيه اليوم تأثيرها أصبح محدودا للغاية على اليمين الإسرائيلي الحاكم.
مجددا وجهة نظر مراكز القرار الأردني تشير إلى ان الشراكة مع الدولة العميقة في الكيان الإسرائيلي ليست منتجة على أرض الواقع سياسيا، لأن ممثلي ذلك اليمين يزحفون وبشدة في عمق معادلات الجيش والهيكل الأمني الإسرائيلي.
وسط هذه الوقائع من الطبيعي ان ترصد مجسات الإعلام نائب رئيس الوزراء الأردني توفيق كريشان تحت قبة البرلمان وهو يستعمل ولأول مرة حكوميا عبارة «الكيان الصهيوني» نافيا اتهام النائب حسن الرياطي للحكومة بمجاملة ذلك الكيان.
لا يستخدم الساسة الأردنيون هذه التعبيرات فعلا خصوصا تحت قبة البرلمان لكن صدورها عن وزير مخضرم مثل كريشان مؤشر على ان الحكومة الأردنية تحت الضغط فيما يتعلق بأجندات اليمين الإسرائيلي المتحكم بمسار الأحداث غربي نهر الأردن.
وبالتواصل ينكأ الإسرائيليون مجددا جرحا أردنيا ينزف بطبيعة الحال طوال الوقت عبر غض النظر عن تحرشات المستوطنين في القدس وعن ما يجري في الحي المقدسي التاريخي الذي يحمل اسم الشيخ جراح وهو نفسه الحي الذي كان آخر معاقل الجيش الأردني وهو يدافع عن القدس.
قيمة حي الشيخ جراح في وجدان وتاريخ الأردنيين كبيرة جدا وحساسة، فعلى أرصفة ذلك الحي سقط 96 شهيدا من الجيش العربي الأردني بعدما قررت كتيبة كاملة البقاء في موقعها بدون انسحاب والقتال حتى الموت.
تلك صفحة يعتز فيها الأردنيون وبالتالي تثار حساسيات كثيرة عندما تشاهد عمان ما يجري في حي الشيخ جراح وتقف مضطرة في الاشتباك والمواجهة اليوم عند حدود ما يسميه الناطق الرسمي للحكومة الوزير صخر دودين بالقوة الناعمة.
طبعا وقفت الخارجية الأردنية علنا مع المطالب الشرعية لأهالي حي الشيخ جراح وتخشى المؤسسات الأردنية في الباطن السياسي من ان يؤدي مشهد ذلك الحي بعد تكرار اعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى وباحاته إلى ترسيم انتفاضة ثالثة باسم القدس تعيد الصراع في الأرض المحتلة إلى المربع الأول وترهق جميع الأطراف.
بالمعنى السياسي إصرار الاحتلال والاستيطان على اخضاع حي الشيخ جراح وطرد أهله أصحاب الحق الشرعي يعبر عن جرح سياسي أردني خصوصا وان الشارع الأردني بكل مكوناته وتعبيراته يضغط بشدة على الحكومة ومشاعره تغلي شعبيا فيما لا تتخذ الإدارة الأمريكية الصديقة موقفا حقيقيا بعد يعيد إنتاج المشهد.
يسأل صحافيون كبار من بينهم اسامة الشريف عن صعوبة تصديق ان الخارجية الأردنية لا تفعل شيئا من ما ينبغي ان يفعل في ملف الشيخ جراح.
يزيد شعور الأردنيين شعبويا بالاستفزاز والمرارة ويغيب ولأسباب قد تكون صحية وزير الخارجية أيمن الصفدي عن المشهد ولا جهود خارج النطاق الملكي للحكومة مع المجتمع الدولي ولا قرائن على استخدام حكومة الأردن لثقله السياسي والدبلوماسي في سياق عمل مألوف ومتكرر بعنوان رفع الكلفة على الاحتلال.
الشعور بالعجز السياسي يخرج نطاقات القوة الناعمة عن تأثيرها ولذلك ينفعل الوزير كريشان ويندد بالكيان الصهيوني عندما يتعامل مع ظلم التشخيص والتقييم والاتهام لبلاده مواقفها والتي بطبيعة الحال من الصعب المزاودة عليها.
لكن مجددا الحديث عن القوة الناعمة والاستنكار والاعتراض لم يعد منتجا في استيعاب ردود فعل الشارع الأردني على الأقل والذي يطالب اليوم بما هو أكثر من إصدار بيان وموقف سياسي في توقيت معقد دون أن يظهر أي مرونة في احتمال مسؤولية اتخاذ مواقف هجومية قاسية ضد الاستهداف الإسرائيلي وسط مخاوف مسكوت عنها بين الأردنيين وغرف قرارهم من أصابع خفية تلعب دورا محتملا في اختراق الداخل الأردني وزرع الفتن فيه بعد رفع ما يسمى سياسيا اليوم باليمين العربي ومحور السلام الإبراهيمي، الغطاء اقتصاديا وسياسيا عن الأردن.
ليس سرا ان الأردن يخوض معركة الحفاظ على الوصاية الهاشمية.
وليس سرا ان تلك الوصاية مستهدفة ومن عدة أطراف والوضع معقد وصعب وبالتالي توقيت اختبار حي الشيخ جراح أكثر تعقيدا وصعوبة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق