اراء و مقالاتمقالات وآراء

خرافة «حماية الأردن»… من يحمي الكيان الإسرائيلي؟

اليمين الإسرائيلي أُصيب بالعمى البصري فقرر اللعب بأوتار الداخل الأردني بجهل وطيش ورعونة معتقدا لوهلة بأنه يستطيع تحريك أحد مظاهر الربيع الأردني عبر الكتلة الديمغرافية الفلسطينية

تابعت بشغف وقليل من الحماس سلسلة الأكاذيب والأحابيل التي يتبناها كتاب اليمين الإسرائيلي مؤخرا وهم يهاجمون الأردن قيادة ومؤسسات، ويحاولون العزف على أوتار مرضية على المستوى الشعبي.
وتابعت بدون شغف وبكثير من الألم مستوى الخنوع والخضوع والبؤس عند الإعلام الرسمي الأردني ومعه النخبة السياسية وهما يتخذان وضعية «قرية الفرجة» وكأن العرس عند الجيران تماما عندما يتعلق اليوم بوجه التهديد القبيح والمباشر والصريح للمملكة الأردنية الهاشمية قيادة وشعبا.
حسنا… نناقش معا مسألتين: الأولى سؤال له علاقة بمن يحمي الآخر؟
طوال عقود ونقولها بصراحة ننتقد الدولة الأردنية ومؤسساتها لأنها تقدم حماية مجانية للكيان الإسرائيلي المحتل وبدون ثمن حقيقي، وانطلاقا من هذا الانتقاد نشارك المعترضين على كل أوهام السلام والتطبيع والشراكة مع العدو.
وطوال نفس العقود نتصور أن المؤسسة الأردنية الرسمية اخفقت تماما في تمرير وتبرير اتفاقية السلام وفي أوهام الشراكة‘ إلا إذا كان القوم يتحدثون عن شراكة سرية لا نفهمها ولا نعلم عنها شيئا إلا أنها – إن كانت موجودة فعلا – لا توفر الضمانات الحقيقية لخرافة اليمين الإسرائيلي وأجنحته الموتورة المأزومة التي تؤمن أولا بتصدير الأزمة الفلسطينية شرق نهر الأردن، وثانيا بأن عمان ينبغي أن تركع ما دامت المستوطنات غير الشرعية قد أخضعت القدس ونابلس.
واضح تماما لي كمراقب لا أجيد فنون التسحيج تماما أن الملك عبد الله الثاني الذي يهاجمه اليمين الإسرائيلي اليوم بصفة دائمة يتخذ مواقف خلف الستارة وأمامها من النوع الذي يقلق ويزعج ويقهر مجانين الكيان.
وواضح تماما أن اليمين الإسرائيلي أُصيب بالعمى البصري فقرر اللعب بأوتار الداخل الأردني بجهل وطيش ورعونة معتقدا لوهلة بأنه يستطيع تحريك أحد مظاهر الربيع الأردني عبر الكتلة الديمغرافية الفلسطينية وبالتالي بكل رعونة يفترض حاخامات السياسة في تل أبيب بأن الأردن شعبيا لقمة سائغة وتجنيد مواطنيه سهل للغاية.

الرد بسيط جدا وأتركه للاجئ أردني فلسطيني من مخيم البقعة في عمان العاصمة اسمه ابو اسماعيل ويعمل نجارا وأعرفه شخصيا بصفة عائلية.
يقول أبو اسماعيل (وهو بالمناسبة درس إلى المرحلة الابتدائية فقط وبالكاد يجيد القراءة والكتابة) ما يلي: الفلسطيني الأردني لا يخرج للشارع من أجل التظاهر للمطالبة بالإصلاح السياسي وبحذائي البالي سأضرب كل لاجئ فلسطيني يعتقد أنه يستطيع التحرك في الأردن لمطلب سياسي.
قالها الحاج أبو اسماعيل ببساطة: عمي.. نحن اللاجئين لا نستبدل فلسطين إلا بالجنة ولا يوجد لاجئ واحد يؤمن أن الأردن هو فلسطين وعيالنا (أولادنا) مستعدون للتظاهر في الشارع الأردني بحالة واحدة فقط لتحرير القدس ولدعم حق العودة، أما سعر تنكة الكاز وكرتونة البيض والمقعد البرلماني فلتذهب هذه المسائل إلى الجحيم.
تلك رسالة الحاج أبو اسماعيل وأعتقد أنها مختصرة ومفيدة وخبرتي المهنية تقول أن جميع شرائح المكون الفلسطيني في الأردن لديها قانون غير مكتوب له علاقة بالدوافع التي تنزل الناس للشارع.
وهو نفسه القانون الذي دفع كل الحراكيين مرارا وتكرارا لاتهام المكون وتخوينه في بعض الأحيان والتشكيك بمواطنته، مع أن الوعي العام في المخيمات تحديدا يؤمن بأنه لا حراك في الأردن إلا من أجل فلسطين.
لذلك اتفق مع الرسالة التي يوجهها البعض لليمين الأمريكي والإسرائيلي حيث لا يوجد فلسطيني أو أردني واحد فقط خارج نطاق الدستورية الملكية، والإيمان بالمؤسسة الأردنية، أو خارج نطاق أي فرضية وبأي وقت تؤمن بالحقوق شرق نهر الأردن بدلا منها غرب النهر.
هذه مسألة.. أما الأخرى فتلك المتعلقة برد فعل النخب الأردنية التي دخلت في حالة صمت القبور، فيما صحافة اليمين الإسرائيلي تهاجم القيادة وتحديدا الملك وتزعم التحدث باسم نصف الشعب الأردني.
واضح تماما أن مؤسسة القرار الأردنية مظلومة بسبب الرهان القديم على أدوات بائسة.
لم أرصد شخصيا ندوة أو لقاء أو تحليلا أو برنامجا حواريا في فعاليات الإعلام الرسمي الأردني وحتى شقيقه الخاص المدعوم بكل أصناف الدعم يرد على اليمين الإسرائيلي أو يبدد نظريته أو يناقش الهجمة المنظمة على النظام السياسي الأردني.
المشهد يدفع فعلا للتساؤل عن مسوغات الخمول والتكلس وغياب الابتكار والمبادرة والمتابعة. ويدفع للتساؤل عن مؤشرات القصور الشديد وعن بؤس الأدوات والإدارات وعن مجالس إدارة متكرشة مترهلة تقبض وتنفق أكثر مما تنتج وتفيد.
أين كل هؤلاء؟ لا نريد من الإعلام الأردني الدفاع عن الشعب أو عن المسحوقين. ونسأل أين واجبه في الدفاع عن المؤسسة بعدما اتخذت مواقف تدفع الإسرائيلي الموتور لتهديد الأردنيين؟
أين قطط الإعلام التي خضعت للتسمين؟ لماذا لا ترد الدبلوماسية الأردنية؟ لماذا يصمت المسؤولون وتترك الرواية لميكرفون اليمين الإسرائيلي المتطرف.
تلك أسئلة شرعية اليوم لكن الإجابة عليها تختصر الأزمة الحقيقية في العمق.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق