اراء و مقالاتمقالات وآراء

خطاب العرش في الأردن: «الأقصى» و«الحرم المقدسي» لا يقبلان التقسيم ولا الشراكة

 

 يمكن بناء عدة تصورات والتوصل إلى سلسلة استنتاجات سياسية عميقة عند رصد وتحليل خطاب العرش الملكي الأردني الذي خرج عن المألوف بحكم الظروف الاستثنائية الفيروسية وغيرها، واستمر لعدة دقائق فقط عند افتتاح الدورة غير العادية لبرلمان الأردن.
مسألتان برزتا بوضوح في واحد من أقصر خطابات العرش الملكية الأردنية.
المسالة الأولى تتعلق بالتركيز على القضية الفلسطينية بصورة حصرية وواضحة، حيث نصيب وافر من الخطاب الملكي القصير والمقتضب يوجه رسالة للمؤسسات الأردنية وللشارع ولبقية الدول في إطار تشديد ثوابت الأردن وسط زحمة المناورات والمبادرات والتكهنات في مسار القضية الفلسطينية.
قالها ملك الأردن بوضوح: استراتيجيتنا الأساسية والوطنية هي حل الدولتين وإنصاف الشعب الفلسطيني وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة وقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو وعاصمتها القدس الشرقية.

أول نصف ساعة في عمر البرلمان الجديد تضمنت «المناكفة قليلاً»

ضمنياً، هنا يرد عاهل الأردن على أي اجتهادات أو تقولات تتكهن بتبديل المواقف الأردنية، حيث التأكيد على قيام دولة فلسطينية وتعداد شروطها على هذا النحو في أقوى وأهم خطاب دستوري بصيغة لا تقبل التسييس ويمثل سيادياً مؤسسة العرش قبل أي اعتبار آخر. تلك دلالة على أن عمان ليست معنية بعد بما يتردد من تكهنات وسيناريوهات.
في الحلقة الثانية والجزء المتعلق بملف القدس حصرياً تأكيدات ملكية مرجعية أكثر وضوحاً ومن الطراز الذي لا يقبل تفسيرات وتأويلات، فالأردن الأردنية لم ولن تتوانى عن القيام بواجبها ضمن الوصاية الهاشمية، والدفاع عن القدس واجب والتزام وعقيدة، كما قال الملك، والوصاية مسؤولية يحملها الهاشميون منذ 100 عام.
لم يقف الأمر في خطاب العرش عند هذا الحد، فقد كان مفعماً بالرسائل الملكية التي تخص القضية الفلسطينية، فالمسجد الأقصى والحرم المقدسي في إطار الوصاية الهاشمية لا يقبلان التقسيم ولا الشراكة.
تلك بالتأكيد رسائل سياسية لا يحتاج الداخل لأن تصله، بل توجه لكل من يهتم بالأمر أو يهمه، خصوصاً وأن إفصاحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس على هامش زيارته الأخيرة إلى عمان منذ نحو عشرة أيام لم تتضمن، خلافاً للعادة، إسناداً للوصاية والرعاية الأردنية في القدس.
في كل حال، يمكن تقسيم خطاب العرش الملكي الأردني إلى مساحتين تحظيان بوضوح بالأهمية القصوى. ففي الملفات الإقليمية والخارجية والدولية، القضية الفلسطينية كانت وحدها تماماً في الخطاب، ولم يتطرق ملك الأردن لأي قضايا أخرى.
وفي الجزء المتعلق بالمساحة الداخلية نص وتذكير بأن المطلوب من جميع المؤسسات واضح، وبالتالي لا يحتاج إلى تفسير أو تحليل في ظل الظروف الاستثنائية، حيث الأولوية -بأمر رأس السلطات ولجميع السلطات في الحكومة والبرلمان- لصحة المواطن الأردني في ظل الجائحة كورونا، ثم الاستمرار ببرامج حماية الاقتصاد الوطني، وسط القناعة بأن العالم يواجه حالة تراجع اقتصادي يلمسها الجميع.

مبادرة فردية أسقطت سيناريو «التزكية» و«كورونا» حاضر بقوة

أبلغ الملك أعضاء البرلمان بأن الانتخابات أجريت رغم الجائحة لتكريس الديمقراطية الأردنية، وبأن الأردن يدخل بثقة إلى مئويته الثانية، وبأن الأردنيين كتبوا قصة نجاح اسمها الأردن.
في خطاب العرش خروج عن المألوف الكلاسيكي المتعلق بسرد لإنجازات الحكومة أو المتعلق بالمشاريع التي ينبغي أن تنجزها.
وعليه، اختصر خطاب العرش على رسائل بسيطة في المسائل المحلية، من بينها الحرص على المال العام، ومحاربة الفساد، ومقتضيات الحالة الفيروسية، فيما خصصت رسالة الخطاب الأعرض للقضية الفلسطينية حصرياً، الأمر الذي يظهر ليس فقط انحيازات الدولة الأردنية، ولكن رسائل مؤسستها المرجعية والقيادية.
دخل الملك ظهر الخميس إلى مقر برلمان بلاده بكامل هيئته العسكرية وبالموكب الأحمر الذي يدل على الالتزام بالتقاليد الملكية، ونظم أصلاً حفل الافتتاح للبرلمان بالحد الأقصى من مقتضيات التباعد الصحي، وغاب عنه 13 نائباً و3 أعيان، ووزير واحد، ثبت جميعاً إصابتهم بالفيروس كورونا في آخر فحص للفايروس قبل تدشين الافتتاح.
أمر ملكي وحيد برز في الخطاب للسلطات، وهو الحرص على الابتعاد عن المصالح الضيقة والعمل بروح الفريق والتنسيق بين المؤسسات وبين مجالس الوزراء والأعيان والنواب.
وبعد خطاب العرش، بدأ مجلس النواب الجديد بيومه الأول، وتعرف الشعب الأردني على ممثليه الجدد.
وبرزت رسائل عميقة أيضاً هنا في الاتجاه المعاكس للنمطية ولترتيبات هندسة المشهد القيادي في المكتب الدائم للمجلس، حينما قرر النائب محمد عناد الفايز وبإصرار إسقاط مبدأ التزكية في رئاسة مجلس النواب عبر ترشيح نفسه للموقع باسم النواب الجدد، مناكفاً الاتجاه العام الذي تدعمه السلطات بطبيعة الحال خلف الكواليس نحو اختيار النائب عبد المنعم العودات رئيساً للمجلس بالتزكية فقط.
الفايز رفض الانسحاب من المواجهة والتوافق، وسانده بعض النواب الجدد، وترشيحه للرئاسة أخضع الجميع لانتخابات كان الترتيب أن يتجاوزها المجلس بصرف النظر عن النتيجة بطبيعة الحال.
وفي أول نصف ساعة لليوم الأول بعد أداء اليمين الدستورية، دخلت كورونا بقوة في نقاش عاصف بعدما أصر ثلاثة نواب، قالت السلطات إنهم مصابون بالفيروس، على الحضور للجلسة الأولى تحت القبة بعد مغادرة الملك، موجهين خطاباً قاسياً لوزارة الصحة حول اختلاف الفحوصات بعدما حصلوا على نتائج سلبية من مستشفيات القطاع الخاص، خلافاً لما كان عليه الأمر قبل الافتتاح.
في كل حال، وبصعوبة بالغة عقد البرلمان جلسته الأولى، وبدأ الموسم البرلماني الجديد، ووجه النواب الجدد -وإن كان بطريقة مخففة- رسالة تقول بأن الامتثال ليس مضموناً، والمناكفة ولو قليلاً تصدرت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق