اراء و مقالات

خفايا «الحراك الأردني في واشنطن: تحريك «الكفيل الأمريكي»… وتجديد التفويض الاستراتيجي وأحضان «البنتاغون»

عمان – «القدس العربي» : تقدم الأردن على هامش الزيارة الرسمية التي يقوم بها الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بوثيقة مكتوبة يطالب فيها الإدارة الأمريكية بالتدخل بصفتها تمثل الدولة الضامنة والراعية لاتفاقية وادي عربة، في خطوة لم يسبق للدبلوماسية الأردنية أن استعملتها أو استعانت بها.
وتظهر حجم المأزق الذي تواجهه اتفاقية وادي عربة ثم العلاقات الأردنية الإسرائيلية في ظل الحكومة اليمينية المتشددة برئاسة نفتالي بينيت.
ويبدو، حسب كواليس الوفد الأردني الرسمي في واشنطن حالياً، أن المملكة تحاول الاستعانة باتفاقية إطار سياسية وقانونية وقعت عليها الولايات المتحدة باعتبارها شاهدة وكافلة وضامنة لحكومة إسرائيل عند توقيع اتفاقية وادي عربة. عمان بهذا المعنى سياسياً، تستخدم هذا المسار القانوني للدولة الشاهد على الاتفاقية في إطار براءة الذمة من انتهاكات وادي عربة، وفي سياق الضغط على حكومة إسرائيل وتوثيق ورصد انتهاكاتها لاتفاقية ومعاهدة السلام، وهي النصيحة التي كان قد تقدم بها رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري علناً عندما اقترح على بلاده أمام «القدس العربي» البدء بإحصاء وتوثيق انتهاكات إسرائيل لاتفاقية السلام، ثم التحدث مع المجتمع الدولي بهذه الانتهاكات.
وأغلب التقدير أن تلك ورقة سياسية وقانونية ودبلوماسية، يستخدمها العاهل الملك عبد الله الثاني مع الأمريكيين الآن وحصراً، تجنباً لانهيار اتفاقية وادي عربة بعد حالة الاعتداء على الوصاية الأردنية في المسجد الأقصى.
ولا يعرف الوفد الأردني إلى أي حد يمكن أن يستجيب طاقم الإدارة الأمريكية لضغط الأردن بخصوص العودة إلى الضامن والراعي والكافل الأمريكي.
لكن مباحثات ملك الأردن في واشنطن لا تقف عند هذه الحدود، فالأنباء تسارعت عن محاولة تجديد التفويض بخصوص المساعدات والتعاون العسكري والعلاقات الاستراتيجية لخمس سنوات إضافية على الأقل، حيث أعلن مكتب بايدن بأنه سيلتقي، الجمعة، ملك الأردن وولي عهده الأمير الحسين بن عبد الله. وقبل ذلك، التقى الملك نخبة من أبرز جنرالات المؤسسة العسكرية الأمريكية. ولوحظ بأن لقاء الملك مع قائد أركان القوات المركزية الأمريكية ورئيس أركان القوات الخاصة في الجيش الأمريكي اتخذ طابعاً شخصياً وبحضور الملك فقط، ودون أي مسؤول آخر من عمان. وهي إشارة في لغة الدبلوماسيين الخبراء تعني بأن الجانب الأمريكي بصدد رسم استراتيجية مختلفة مع رأس النظام في الدولة الأردنية مباشرة، بمعنى التعامل مع الشراكة مع الأردن ضمن فعاليات البنتاغون. وعلى هذا الأساس، يتضمن برنامج الملك لقاءات خاصة مع كل من وزيري الدفاع والخارجية وأعضاء في الكونغرس.
ويتم الآن البحث في تفاصيل ما سيعلن عنه بخصوص المساعدات المالية الأمريكية، فيما الأولوية بالنسبة للأردن قد تكون طرح ورقة تحريك الضامن الأمريكي في اتفاقية وادي عربة. وفي كواليس الوفد الأردني أيضاً تكتيكات لها علاقة بورقة مجموعة عضو الكنيست منصور عباس، حيث الانطباع بأن استمرار مشاركته في حكومة بينيت أصبحت الآن ورقة فلسطينية أردنية.
والمعنى أن الأردن والسلطة خطوطهما مفتوحة وعلناً مع منصور عباس، وهما في موقع إمكانية إسقاط حكومة بينيت، لكن ليس في مصلحتهما ذلك؛ لأن البديل هو عودة نتنياهو الآن على الأقل. وعليه، ثمة معطيات تشير إلى أن الرئيس بايدن بصدد الدفع في اتجاه عقد اجتماع ثلاثي في القدس بعد أسابيع قليلة، بهدف تفعيل فكرة تحريك الضامن الأمريكي وإنقاذ وترميم ما يمكن؛ لأن الأردن هذه المرة استبدل التصريحات العلنية ضد حكومة إسرائيل بدبلوماسية الصمت، وتجنب إثارة تعليقات، والعمل مع الكفيل الأمريكي لاتفاقية وادي عربة وسط رهانات تظهر حجم الأزمة بين عمان وتل أبيب.
ولا يخفى على جميع المراقبين هنا تلك الإشارة الأهم التي تقول بأن ملك الأردن سيكون الزعيم العربي والإسلامي الوحيد الذي التقى الرئيس الأمريكي مرتين على التوالي منذ انتخابه. وهو وضع يخطط الأردن للاستثمار فيه قدر الإمكان.
والرهان الأردني دبلوماسياً حتى الآن هو ذلك الذي يؤشر على رغبة عمان في استعادة المبادرة، خصوصاً في ملف القدس المحتلة حيث أحد الثوابت الأساسية في استراتيجية الأردن المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبعملية السلام وبالعلاقات مع إسرائيل، وحيث هوامش المناورة المتاحة أمام الأردنيين وسط تكدس انطباعين في عمان الآن.
الأول، هو ذلك الذي يظهر قناعة النخب ومراكز القرار الأردنية بأن تقويض الوصاية الهاشمية والسماح بذلك سيؤدي إلى تعرية اتفاقية وادي عربة تماماً، وسيخدم الأجندات المتشددة حتى داخل المجتمع الأردني، وسيؤدي بالنتيجة إلى ضغوطات توحي بأن هذه الاتفاقية لا يمكنها الصمود بالمعنى الاستراتيجي في ظل إخراج الأردن من معادلة المسجد الاقصى والحرم القدسي الشريف.
والانطباع الثاني هو العودة لمربع الإقرار بأن العقيدة السياسية الأردنية نفسها قد تضطر إلى الاصطفاف في حالة غامضة إذا ما سمح الأمريكيون للإسرائيلي بتكريس هذا الانقلاب على الدور الأردني في القدس، لأن حجم المساس بالثوابت لا تستطيع الدولة الأردنية حمل عبئه مرحلياً، مما قد يؤدي إلى إجبار عمان على اتخاذ تدابير خارج عقيدتها السياسية والدبلوماسية المبنية على حسم الصراع مع إسرائيل أردنياً، وعلى وجود دور في القدس، وعلى عملية سلام في جوهر الاستراتيجية الأردنية، وهو أمر يقر خبير من وزن الدكتور مروان المعشر بمعية «القدس العربي» أيضاً بأنه علامة فارقة وكبيرة واستراتيجية وأزمة متعددة الملامح، وستؤدي إلى تداعيات ليست سهلة.
الوجبة التكتيكية الأردنية هنا عادت لطرح ورقة الكفيل والضامن الأمريكي، وعمان تحاول اختبار وزنها الآن في هذا السياق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق