اراء و مقالات

خفايا وكواليس «المسكوت عنه» بعد مشروع «دسترة» مجلس الأمن الوطني الأردني: ما الذي حصل ولماذا؟

عمان – «القدس العربي»: طوال الوقت ومنذ عام 2006 كانت مراكز القرار الأردنية، سياسياً وأمنياً وبيروقراطياً، تنشغل بطرح أسئلة محددة حول أفضل وأسرع وسيلة للانتقال في تجربة تشكيل الحكومات والتشبيك بينها وبين البرلمانات بدون خسائر ودون إخلال بحالة الاستقرار العام الناتجة عن طبيعة العلاقة بين السلطات الدستورية الثلاث، التنفيذية والقضائية والتشريعية.
يمكن القول عندما يتعلق الأمر بأي محاولة لمناقشة جوهر الفكرة التي تلهب النقاش حالياً ضمن حزمة التعديلات الدستورية المقترحة بعنوان تـأسيس مجلس الأمن الوطني الجديد، بأن النقاش كان قديماً أصلاً ولم يكن محصلة سياسياً إلا لمظاهر الإرادة السياسية التي توفرت وبشكل كبير هذه المرة لتغطية التحولات التي أنجزتها اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
أمام «القدس العربي» قال رئيس اللجنة سمير الرفاعي، مرات عدة، أن الإرادة الملكية جادة في إحداث نقطة تحول في المسار الديمقراطي في البلاد، واختير لهذه الغاية التحول نحو حكم الأحزاب، وطوال الوقت كان عضو اللجنة الملكية محمد الحجوج يؤكد أن المطلوب هو توافق ليس فقط الرأي العام والقوى الحزبية والسياسية في البلاد، ولكن أيضاً توافق جميع أجهزة ومؤسسات الدولة على خطة محددة امتدحها وزير التنمية السياسية وعضو اللجنة في الوقت نفسه موسى المعايطة، عندما قال أمام “القدس العربي” ثلاث مرات على الأقل بأن الخوف ينبغي أن يتلاشى من التحول الديمقراطي السياسي، وعلينا جميعاً النظر للمستقبل والمضي للأمام.
في بواكير مرحلة الربيع العربي عام 2011 روقبت التجربة المغربية تحديداً في إدارة مبدأ تداول السلطة في الأردن، وطول الوقت كانت تصدر عن القصر الملكي والملك شخصياً إشارات تدعم التحول نحو دور أفضل للتجمعات والأحزاب السياسية بعيداً عن الزحام.

الأوراق النقاشية الست

حتى في الأوراق النقاشية الست الملكية، برزت العديد من الأفكار والمقترحات التي تدعم ترسيخ الملكية الدستورية وتؤسس لحالة دعم مرجعية نادرة وفريدة لأفكار وتوصيات ونصائح تؤمن بتداول السلطة سياسياً تحت سقف المقتضى دستوري بطبيعة الحال. بمعنى أو بآخر، يصر برلماني وسياسي مخضرم من وزن الدكتور ممدوح العبادي على أن فكرة تطوير الحياة السياسية والحزبية في الأردن والانتقال بالمسار الديمقراطي إلى حالة مؤسسية، كانت تشغل بوضوح مراكز القرار منذ 20 عاماً، خصوصاً وسط الإيمان المرجعي التام بأن مصلحة الشعب الأردني ومصلحة الدولة أيضاً تتطلب الانتقال نحو مأسسة العمل الحزبي.
لكن ما كان يخيف مراكز القوى، خصوصاً تلك العميقة دوماً، هو تلك الفرصة التي حظيت بها الحركة الإسلامية فقط دون غيرها ولأكثر من 100 عام على الأقل، كما يشرح العبادي، حيث كانت وحيدة في الساحة قياساً بالأحزاب اليسارية والقومية، مما يعني وجود عقدة في طريق الإصلاح السياسي طوال الوقت تحت بعنوان “الإسلاموفوبيا”.
قال الوزير المعايطة بأن الخوف من الإخوان المسلمين وغيرهم، هو محطة ينبغي أن يتجاوزها الوطن. وقال عضو اللجنة الملكية النشط ورئيس اللجنة الفرعية فيها لقانون الانتخاب خالد البكار، بأن المبالغة في عقدة الخوف من الإخوان المسلمين وتصدرهم ينبغي تجاوزها وطنياً أيضاً، وهو ما حصل في النقاشات العاصفة والتفصيلية التي طالت تعديلات جوهرية وعميقة على قانوني الانتخاب والأحزاب ضمن فعاليات اللجنة التي ترأسها الرفاعي.
بمعنى أو بآخر، وخلال نقاشات اللجنة، حصلت حالة جديده لم تحصل في الماضي عندما يتعلق الأمر بالوثائق التي كانت تدعو للإصلاح، حيث توافقات داخل مؤسسات الدولة هذه المرة، وقد عبرت عنها المنظومة الأمنية مباشرة بلقاء لمدير المخابرات العامة الجنرال أحمد حسني، دعم فيه مخرجات تحديث المنظومة السياسية.
طبيعي هنا أن جدية الإرادة السياسية -كما تبدو- هنا، وحصول توافقات داخل مؤسسات القرار من المرجح أنه لا يعجب بعض الأطراف في الحرس الكلاسيكي أو التقليدي.
وهنا حصرياً برز الإشكال الذي حمل اسم التعديلات الدستورية الأخيرة، ثم حمل اسماً فرعياً له علاقة بتأسيس المجلس الوطني الأمني الجديد، الذي أثار العديد من النقاش في أوساط النخبة وأعماق المجتمع، قبل أن تحصل الاستدراكات مؤخراً فقط على أساس تحسين صورة التعديلات الدستورية.

الإعجاب بالتجربة المغربية

الإعجاب بالتجربة المغربية تحديداً لم يكن سراً بالنسبة للعديد من النخب الأردنية، لا بل في بعض المحطات تم إحضار الأدبيات والنصوص التشريعية المغربية لإعادة دراستها أملاً في الوصول إلى مقاربة وطنية، وشكلت تجارب من لجان استشارية أو مجالس استشارية حصلت مرة على اسم مجلس السياسات التابعة للدولة، ومرات على اسم مجلس الأمن القومي.
لكن الخطوة كانت تحتاج إلى نوع من المنهجة والدسترة، ومع ولادة وثيقة مخرجات تحديث المنظومة السياسية ازدادت حاجة كثير من الأطراف داخل الدولة وخارجها إلى تأسيس ضمانات تعزل بعض القضايا المحورية والسيادية عن احتمالات حكم الأحزاب، مما يعني بأن التجربة جادة هذه المرة نحو تشكيل برلمان حزبي واحتمالية أو سيناريو تشكيل حكومات برلمانية تعبر عن الأحزاب.
ومن هذه الزاوية تحديداً، اشتبك وبجرأة رئيس الوزراء الأردني الدكتور بشر الخصاونة، مع المسألة. وحاول بدعم من بعض السياسيين ومراكز القوى، نفض الغبار عن فكرة قديمة سبق أن أطلت برأسها ضمن تداعيات وتفاعلات موجة الربيع العربي والمستجدات الدستورية التي دعمها القصر الملكي وكانت منجزاً وطنياً لجميع الأردنيين في ذلك الوقت. بوضوح، حاولت حكومة الخصاونة أن تتعامل بجدية مع إلتزامات المرحلة المتعلقة بوثيقة تحديث المنظومة.
لذا، قررت المضي قدماً في التقدم باقتراح لتعديل دستوري يضمن عزل الملفات الأساسية، مثل الأمن الداخلي والخارجي والسياسة الخارجية عن أي تأثير وتجاذب محتمل للحكومات الحزبية يمكن أن تبدأ بالتشكل والولادة بتجارب خاصة بعد ثلاث سنوات في تحول مهم في البلاد.. هنا اجتهدت حكومة الخصاونة في هذا السياق.
لهذا، قرر رئيسها تحمل مسؤولية التعامل مع الموقف وتأسيس هذا الضمان لمعالجة إشكال طالما أخاف السلطات من مسألة التقدم في التنمية الحزبية. وفي حال افتراض حسن النوايا، هنا يمكن القول بأن مبادرة الخصاونة كان الهدف منها حماية التجربة وتأطيرها وتقدمها بقرار حكومي شجاع، لكن ذلك لم يمثل النتيجة المطلوبة الآن بعدما ثارت ضجة ضد فكرة سلخ صلاحيات من مجلس الوزراء والولاية العامة لصالح القصر الملكي، فالخطة لم تشرح جيداً، لا للنخب ولا للرأي العام، لا بل أخافت التيار الإسلامي وبقية القوى الحزبية، وعرضت في توقيت شهد نمواً في التطبيع مع الإمارات وإسرائيل وبشكل أقلق المجتمع، ولم يتم توفير الحاضنة المناسبة لاعتماد هذا المشروع.
وبناء عليه، يفسر ذلك التعامل مع مشروع كان قديماً، وتجرأت حكومة الخصاونة على عرضه والتقدم به، لكن بعض الثغرات في نص التعديل الدستوري واللوائح والأنظمة وبعض الأخطاء في كيفية عرض الأمور وفي التوقيت والتكتيك، هي التي دفعت في اتجاه جدل كان يمكن الاستغناء عنه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق