اراء و مقالاتمقالات وآراء

«شطرنج نخبوي» في الأردن يقترب: «رؤوس كبيرة» تحاول تجنب «الإقصاء» و«زفة» الرحيل

 

 إبعاد أو إقصاء أو تخفيض عدد الملفات التي كان المستشار في الديوان الملكي الأردني الدكتور كمال الناصر يعمل عليها وسط أضواء النخب والمؤسسات، خطوة لا بد من قراءتها في سياق ترتيب محتمل وأعمق يفترض أن يتقرر في البلاد في الساعات القليلة المقبلة.
الدكتـور بقي نجـماً بلا منـافس، ويحـضر في كل الـزوايا والـمحطات لأكثر من عام ونصف. لكن إعادة تسمية وظيفته قبل عـدة أسـابيع أبعـدته تماماً عن كل الأضواء، وإن كان يناضل بيروقراطياً الآن مع طاقم صغير للاستمرار في متابعة توصيات لجان استشارية لها علاقة بمدخلات وليس مخرجات الأزمة مع الفيروس كورونا. المهم أن المستشار الناصر لم يعد يرن هاتفه جرياً مع عادة أردنية قديمة تغرق في مطاردة وملاحقة المسؤول، ثم تتخلى عنه تماماً عندما يختلف دوره ويتغير اجتهاده.

تخفيف مهام المستشار الناصر يمهد لطاقم جديد في إدارة الديوان… واستعدادات لتركيبة جديدة في مجلسي النواب والأعيان

لكن على طريقة إدارة لعبة الشطرنج السياسي، خطوة إبعاد الناصر عن الأضواء منذ عدة أسابيع تمهد، على الأرجح، لغيرها وأهم منها، فحجم التشبيك بين الناصر ورئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز كان مثيراً للانتباه بعد عام من التخاصم البيروقراطي. وإلى حد كبير، لا بد من ملء الفراغ النخبوي عندما يحصل. فغياب المستشار الناصر مع بقائه في الكادر، قد يمهد الطريق لطاقم جديد ومختلف وبلون سياسي، إذا جاز التعبير، في إدارة الديوان الملكي والجهاز الاستشاري في القصر.
وهو أمر تمهد له حوارات جانبية وخاصة، جرت مع شخصيات متعددة خرجت بانطباعات تحدثت عن بعضها وكتمت البعض الآخر. بين تلك الشخصيات، المخضرم عبد الرؤوف الروابدة، والإداري المتميز نادر الذهبي، ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور هاني الملقي، وناصر جودة صاحب أطول مدة في وزارة الخارجية في تاريخ الأردن، وغيرهم من الشخصيات.
الخطوات في شطرنج إدارة الدولة مرتبطة عضوياً ببعضها، فتلك الاستطلاعات الحوارية مع طيف أوسع من الشخصيات أعقبت تخفيض ظهور المستشار الناصر، وبقي المستشار والدبلوماسي المخضرم الدكتور بشر الخصاونة لاعباً يقوم بمهام واجبه ويتأهل في خطوة ثالثة على الأرجح لدور محتمل في موقع جديد لاحق. كما بقي رئيس الديوان الملكي البيروقراطي الطيب والهادئ، الوزير يوسف العيسوي، عاملاً بصمت برفقة المستشار الخبير الزاهد الآن بكل الأضواء سعد هايل سرور.
وتفتقد الدولة بقرار رموزها اليوم لشريحتين من النخب. الأولى نخبة فرق وخلايا الظل التي كانت تغادر وتعود بحصيلة أو تبرمج تفاهمات خلف الستارة. والثانية نخبة طبقة رجال الدولة التي تكلف بمهام وملفات بدون دور علني وتنصح وتبادر وتناور. لكن الانطباع اليوم، وهو ما نقل عن رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، يشير إلى أن غالبية رؤساء الوزراء السابقين -وبصرف النظر عن المواقف السياسية لبعضهم- قد ينضمون قريباً إلى تركيبة مجلس الأعيان، وهو الغرفة الثانية في سلطة التشريع. ذلك أيضاً لا يحصل بدون ترتيب على الرقعة النخبوية، لأن بعض المقاعد في مجلس الأعيان قد تخصص أيضاً لأعضاء بارزين اليوم في حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز، سواء خرجت من المعادلة واستقالت أو بقيت وتعدلت.
يوحي ذلك بأن الرقعة النخبوية ليست منفلتة أو ارتجالية خلافاً للانطباع العام، فكل خطوة ضد أو مع شخص مسؤول أو سياسي يجلس في أحد مقاعد المناصب العليا مرتبطة بما قبلها أو بعدها. وكل مناقلة في سياق الأدوات والأدوار لها علاقة بمناقلة محتملة ستجري في سياق المناصب لاحقاً، مع أن البلاد والعباد يستعدون بالتوازي لتركيبة مجلس نواب جديد منتخب سيلتحق باللعبة عاجلاً أم آجلاً.
وهو مجلس فيه أدوار بالضرورة للاعبين جدد، ويفترض أن يختفي منها لاعبون قدماء أهمهم على الإطلاق رئيس مجلس النواب الأسبق عاطف الطراونة، مع العلم بأن الرقعة النخبوية زاد في مساحتها دور الحصة السياسية لممثلي قطاع البنوك والصناعات الدوائية.وهؤلاء لديهم دور في المستقبل الوشيك وشبكة نفوذ لا يمكن الاستهانة بها، وهم طرف في المعادلة. لذلك، وفي الخلاصة النهائية، وبصرف النظر عن حل مجلس النواب أو عدم حله، وعن هوية إعادة تشكيل مجلس الأعيان قريباً جداً، وعن بقاء الرزاز في الواجهة أو رحيله… يمكن القول بأن تلك التراتبية التي بدأت مع إعادة إنتاج وظيفة ودور المستشار الناصر مقصودة لذاتها ومرتبطة على نحو أو آخر ببعضها. فهم الجميع بأن «البقاء نخبوياً، لله» وبأن دائرة القرار المركزي تريد البقاء في مسافات آمنة تفاعلاً مع مستجدات الإقليم والفيروس والقضية الفلسطينية. وفهم الجميع بأن ذلك يتطلب اليوم إدارة لعنصر التوقيت في نقل حجر دون أو قبل آخر في اللعبة السياسية.
ما يضغط الآن، بالخلاصة، هو عنصر التوقيت؛ فالانتخابات في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ومجلس النواب الحالي ينبغي أن يحل بعدما فقد فرصته في الرقعة، وإعادة تشكيل مجلس الأعيان خطوة في سياق استحقاق دستوري ضاغط. بين هذه الألغام تحديداً يقفز رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز آملاً في إكمال المشوار بالبقاء أو المغادرة بدون شظايا في الحد الأدنى، ودون خسائر ودون «زفة» نقدية شعبية تحت عنوان الإخفاق مع كورونا مجدداً بعدما نجحت الدولة.
فهل يحصل الرزاز على ذلك؟.. هذا هو السؤال، والإجابة عنه في غضون ساعات فقط قد لا تتجاوز مساء غد السبت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق