اراء و مقالات

طعام الأردنيين… أين «المسرطنات» الحقيقية؟

أزمة الأدوات هي سبب رئيسي في إنتاج الشكوك وغياب المصداقية عن الخطاب الرسمي والمعالجة تبدأ حصريا من «احترام رأي الشعب»

لا يحتاج المشهد السياسي والشعبوي والإعلامي الأردني للمزيد من الإثارة والضجيج تحت عنوان فساد «الطعام والدواء» بصيغة تعيد إنتاج جدل عاصف من الماضي مؤلم ومقلق.
المشهد الوطني العام مليء بالكمائن والمطبات وحمى الاستهداف والضجيج، وما فعلته المختصة الدكتورة سناء قموه، وهي بالمناسبة ابنة القطاع العام، أنها هزت غربالا جديدا من الطراز المناسب لكل من يهتم بإنتقاد الحكومة أو مشاغلة الحكومة أو الاعتراض والاحتجاج.
صحيح أن بعض قرارات الحكومة تقول ضمنيا بأنها متخصصة بصناعة الخصوم. لكن المختصة الفاضلة لم تقدم حيثيات علمية قطعية تثبت بأن ما تقوله صحيح عن وجود «مسرطنات» في طعام الأردنيين، وتحديدا في المواد الأساسية مثل الأرز والقمح ومشتقات الألبان والأسماك.
فقط مداخلة على هامش برنامج تلفزيوني ثانوي حول المسرطنات لموظفة سابقة في القطاع العام، ثم اشتعلت المنصات وبدأ الجميع يتحول إلى «الإفتاء العلمي» بخصوص الأدوية وأصناف الطعام.
حمى السخط الشعبي من كل شيء حكومي تصطاد دوما أي معلومة في الاتجاه المعاكس وغياب شروحات رسمية مقنعة في وقت ملائم يؤدي إلى تسمين السلبية والقراءات المتسرعة.
الأهم أن المديرة السابقة لمراقبة أطعمة وأدوية الأردنيين في مؤسسة تتبع رئاسة الوزراء، ولها صلة مباشرة بوزارة الصحة لم تقدم للمشاهدين والمتفرجين أجوبة على سؤالين في غاية الأهمية.
السؤال الأول: ما هو مسوغ ومبرر التحدث الآن وبأثر رجعي عن مسرطنات في طعام الأردنيين في الماضي؟
والثاني: على أي أساس «علمي وبحثي» تتقدم مديرة سابقة مسؤولة بمفاجأة كبيرة من النوع المشار إليه فيلتقطها الشارع ويلوك بسمعة كل المؤسسات وبدون أدنى إنتباه لعدم تقديم «سردية متكاملة»؟
كل من اعتمدوا على مقولة المسرطنات الجديدة لم يتقدموا باستفسارات مماثلة من السيدة المختصة التي ألقت بمفاجأة جديدة مرهقة في حضن جميع الأردنيين.
الساخطون وهم كثر بالمناسبة والناقدون وهم الأغلبية، لم يخطر لهم السؤال عن الأسباب التي منعت الموظفة السابقة قبل سنوات وعندما إكتشفت تلك المسرطنات من التحدث للرأي العام، وإزعاج اللوبي المختص بلفلفة الأمور أو يتقاعس عن التعاطي معها… سر التوقيت له علاقة بكل شيء عندما يتعلق الأمر بموظفين بيروقراطيين تنهكهم حسابات الوزراء الطارئين ويتعرضون لعدم إنصاف فيردون لاحقا الصاع صاعين.
أسوأ ما يحصل في المشهد البيروقراطي الأردني أن يتحول موظف سابق إلى «ساخط حاليا» وينضم إلى حفلة التشكيك مستثمرا في معلوماته وخبراته السابقة، وطبعا لا نقول بالأمر عندما يتعلق بالسيدة الدكتورة سناء قموه فهي مختصة وقالت كلاما خطيرا ومهما، لابد من الوقوف عنده وبحزم ومتابعته والتوثق منه، وتلك واجبات لا تتعلق بالإعلام فقط بل بجميع المؤسسات الوطنية، والأهم بمجلس النواب وممثلي الأمة وبوزير الصحي الحالي المحترم وأركان وزارته وطاقمه.

أزمة الأدوات هي سبب رئيسي في إنتاج الشكوك وغياب المصداقية عن الخطاب الرسمي والمعالجة تبدأ حصريا من «احترام رأي الشعب»

لا يحتمل المشهد الداخلي الأردني المزيد من «مغامرات» الموظفين السابقين ولا المزيد من التكهنات أو الإصرار على التشكيك بكل شيء في قضايا أقل أهمية من سلامة الصحة العامة، فما بالكم بقضية تمس معيشة وحياة كل مواطن أردني، وسط ظروف إقليمية وسياسية واقتصادية معقدة للغاية، وتتكالب خلالها وعبرها مؤشرات الاستهداف للأردن قيادة وشعبا.
وفي وقت نطالب فيه الرأي العام بالتدقيق وعدم التسرع بالقراءة والاستنتاج، وتجنب الشائعات والتسريبات والامتناع عن قبول الروايات كما تقال وتمحيصها قليلا… نطالب الحكومة بالمقابل ووزراءها بالقيام بالواجب، وعدم التساهل إزاء الروايات السلبية والتشكيكية، والتركيز على أسباب ومسوغات التشكيك الداخلي، بدلا من الإكثار من البيانات والتصريحات التي تهتم بمعالجة ومواجهة تحرشات الخارج.
لا يمكن لأي حكومة وفي أي مكان أن تحقق تقدما جوهريا في الرد على تحرشات الخارج، ما دامت مصداقيتها في الداخل وفي الملفات المحلية الأساسية قيد الشك الشعبي.
طبيعي جدا القول بأن طريقة الاستهلاك المحلي للشعبويات بتسرع مضر جدا، ولا يفيد لا الدولة ولا الناس، ومن غير المعقول أن يقرر موظف ما «توبة مباغتة» بأثر رجعي، سرعان ما يصدق الناس حيثياتها بدون تدقيق.
وطبيعي أيضا وأكثر القول بأن بقاء الروايات السلبية لفترة أطول وعدم جاهزية الرد الحكومي واختباء الوزراء أو اخفاقهم في الشرح والتوضيح، خطوة في اتجاه الانتحار البيروقراطي وتسمين تلك الروايات الرسمية التي تقابلها سرديات حكومية ورسمية متأخرة ومتهالكة أو غير مقنعة، وفيها تردد وتجويف من كل الأصناف.
نفهم بأن المسؤول الأردني أصبح «يخشى رعب المنصات» ويحيط نفسه دوما بنخبة من «مسربي السلبيات» لكن من يتولى المسؤولية العامة عليه أن يتصرف بآليات اشتباك علمية ومقنعة ومؤثرة ويمارس واجبه مع الكثير من الصبر أو لديه خيار الانسحاب وترك الوظيفة والمهمة لغيره.
أزمة الأدوات التي مللنا من كثرة التحدث عنها هي سبب رئيسي في إنتاج الشكوك وغياب المصداقية عن الخطاب الرسمي، والمعالجة تبدأ حصريا من «احترام رأي الشعب» وإعادة الاعتبار لـ«المهنية» بدلا من «الولاء».
دون العمل هنا سندور كأردنيين في نفس الساقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق