اراء و مقالات

«عبر الأردن»… مشروع «القطار» من المتوسط إلى «الجزيرة العربية»: لماذا يهتم الأمريكيون وغيرهم فجأة؟

عمان – «القدس العربي»: لا أحد يعرف بعد الخلفية السياسية لما حصل. فجأة تحرك ملف مشروع سكة الحديد الإقليمي في الأردن بعد فترة جمود وتجاهل من بعض دول المنطقة الممولة استمرت لأربع أو خمس سنوات.
أظهرت دولتان هما السعودية والإمارات، فجأة، قبل عدة أسابيع قليلة، الاهتمام بالمشاركة في تمويل مشروع سكة حديد له دلالة سياسية ويعتقد أنه يفترض أن يربط مستقبلاً شواطئ المتوسط الفلسطينية المحتلة بعمق الجزيرة العربية عبر الأردن وفي أحد أفرعه عبر العراق أيضاً.
المشروع كبير وقديم. والعام الماضي وعلى هامش حوارات مع نخب وشخصيات في القصر الملكي الأردني وبحضور رؤساء وزارات سابقين، تم التلميح إلى الرهان الاقتصادي والاستثماري الناتج عن مشروع سكة حديد ضخم وبتمويل دولي وإقليمي ولأهداف تتعلق بالتبادل التجاري وتطوير نظام الخدمات إضافة إلى التطوير السياحي أيضاً وعلى أساس توفير شبكة نقل جديدة تحت نطاق الاستثمار في دول الجوار الفلسطيني.
الأفكار الأولى للمشروع وردت في مؤتمر المنامة الاقتصادي الشهير، وفي الأردن ثمة تقارير ووثائق في عهد الحكومة السابقة تتحدث عن هذا المشروع باعتباره أحد روافع النقل عبر الترانزيت وأحد ملامح الاستثمار في البنية التحتية وفي قطاع النقل، وقد كان الوزير والبرلماني والخبير الاقتصادي الدكتور محمد الحلايقة قد تحدث مبكراً، وعدة مرات لـ«القدس العربي» عن ضرورة الانتباه إلى التنويع والتطوير في قطاع النقل تحديداً.
عبر الحلايقة عن عدم جواز الانتقال للمئوية الثانية للدولة فيما مشروع النقل البري عبر القطارات أو غيرها لم يخضع لتطوير عابر لدول المنطقة منذ مئة عام، فسكة الحديد والقطار الأردنية الوحيدة هي تلك العثمانية حتى الآن، والتي اجتهدت السفارة التركية في عمان قبل عدة أشهر بإصدار مطبوع ضخم وأنيق أرسلت لـ«القدس العربي» نسخة منه حولها.
في كل حال، مؤخراً زاد الحديث الهامس في أروقة القرار الأردنية والفلسطينية أيضاً عن خطوات بيروقراطية وإجرائية زادت مؤخراً، بعنوان تفعيل مشروع القطار الإقليمي الذي يعرف الجميع بأن إسرائيل في وضعها الاحتلالي الحالي جزء أساسي منه، وهو جزء كان اليمين الإسرائيلي يتحكم به في سياق سياسي يمنع قيام الدولة الفلسطينية ويعكس الوقائع على الأرض.
حسب معطيات توفرت لـ«القدس العربي» أراد الإسرائيليون مبكراً الحرص على ألّا يمر مشروع سكة القطار في الضفة الغربية، واقترحوا صيغة «حيفا – بيسان – الأردن – ثم الخليج».
لكن الجانب الأردني تحفظ طوال الوقت على هذا التسييس لمشروع يتطلب إظهار التعاون الاقتصادي في الجوار الإقليمي.
خلف الستارة والأبواب تقترح المؤسسات الأردنية اليوم عبور المشروع من أريحا حتى تستفيد منه اقتصاديات الضفة الغربية، وحتى لا تحرم منه السلطة الفلسطينية؛ بمعنى الحرص على مناورة التكتيك الإسرائيلي في مواجهة اشتباكية لا تزال عالقة ومكتومة خلف نطاق الاجتماعات الفنية.
وما حصل مؤخراً وبصورة طازجة، أن دولة الإمارات العربية أظهرت اهتماماً كبيراً بالمشروع، وأرسلت وفدا لتوقيع أوراق تمويلية إلى عمان ودرست الوثائق مجدداً، لكن زيارة الإماراتيين هنا دفعت المملكة العربية السعودية بدورها، وعلى نحو مفاجئ وبعد طول انتظار وتردد، لتوجيه رسالة مفادها الجاهزية للتنسيق والتشاور والاستثمار في مجال قطاع النقل مع الأردنيين.
خلافاً لعمان ورام الله، لا تظهر أبو ظبي وحتى الأطراف الخليجية الأخرى المتهمة بالموضوع اهتماماً مباشراً بالجزئية المتعلقة بثنائية بيسان أو أريحا انطلاقاً من جنين.
لكن وبالقياسات الأردنية، المشروع حيوي وأساسي، والمقاييس السياسية ينبغي أن ترافقه دوماً، وأن لا ينشأ إلا بصورة تخدم جميع الشعوب اقتصادياً، وتحافظ على نمط من الإنعاش الاقتصادي في الضفة الغربية.
وما يفهم من بعض الاجتماعات السيادية التي تطرقت للمشروع وناقشته، أن الأردن حريص جداً على الدلالات الرمزية السياسية، بحيث لا يتمكن اليمين الإسرائيلي من خطف المشروع من مصلحة ميناء حيفا والجانب الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني والسلطة، أو على حساب تحقيق تنمية اقتصادية وقدر من الانتعاش في الضفة الغربية.
وبمعنى أن لا يؤدي المشروع إلى تكريس واقع جيوسياسي يبعد أكثر مشروع الدولة الفلسطينية عن الضفة الغربية، الأمر الذي يعتقد بأنه نوقش بكثافة مع الأمريكيين مؤخراً، خصوصاً أن وزارة الخارجية الأمريكية بدورها مهتمة جداً بإنجاز المشروع باعتباره من دعامات الاستقرار الأمني والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط .
طبعاً، ظهر ذلك من خلال نشاطات السفير الأمريكي. والاعتقاد كبير بأن الجانب الأمريكي وراء الشغف الإماراتي والتحريك السعودي في هذا السياق.
لكن ما تريده المؤسسات الأردنية هو مشروع ضخم في مجال قطاع القطارات والسكك الحديدية، بحيث لا يؤدي إلى تجاذبات سياسية، ويساهم في الاستقرار الاقتصادي فعلاً وليس فقط على أساس ربط الموانئ الإسرائيلية بالجزيرة العربية دون مبرر سياسي وعلى أساس تدعيم واستقرار عملية السلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق