اراء و مقالاتمقالات وآراء

«عض أصابع»: الدولة الأردنية في مواجهة «حراك المعلمين»… من يصمد أكثر؟… الأهم: من استنسخ الأزمة مجدداً؟

 

طبعاً كان يمكن البحث عن «وصفة» أقل صخباً لمعالجة الموقف بدلاً من الاسترسال في ترتيب وبث فيديوهات تحريضية لقادة في حراك المعلمين تعقبها ردة فعل رسمية في سياق ما سمّاه رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز بـ «دولة القانون» قبل أن ينتهي المطاف بأزمة تتجدد وتتدحرج على نحو منفلت.
إغلاق مقرات نقابة المعلمين بعد مداهمتها وتوقيف أعضاء هيئتها القيادية. هذا «نبأ» غير سار ويسيء بأقل الأحوال وكلها إلى سمعة التعليم في الأردن. لكنه يعكس في الوقت نفسه وفي اللغة المحلية المحكية، مزاحمة «عض أصابع» بين نقابة المعلمين والسلطة يعلق بينهما جميع المعنيين من تلاميذ ومؤسسات ومواطنين، ومن الطبيعي أن يفوز فيها من يستطيع العض أكثر. وعليه، يصبح السؤال: من الذي استنسخ المواجهة بأخشن صورها مجدداً.. المعلمون وقادتهم، أم السلطة وأذرعها وأطراف التأزيم فيها؟

الملف اتجه إلى المربع السيادي والأمني ولم يعد نقابياً أو سياسياً

وسط الحالة الاجتماعية المضطربة أصلاً والبيروقراطية الحذرة من تداعيات فيروس كورونا وما يجري في العالم والمنطقة، ووسط الأزمة الاقتصادية الحادة والمالية أيضاً، لا يمكن الإجابة عن السؤال سالف الذكر بإنصاف وعدالة، رغم أن جميع الأطراف تزعم أن الخصم في المواجهة هو الذي دفع في اتجاه التأزيم.
في التفاصيل لم يعد سراً أن نقابة المعلمين أصلاً، ومنذ العام الماضي أصبحت تشكل صداعاً مزمناً للدولة والسلطة والحكومة بسبب ضخامتها أولاً، وباعتبارها قد تكون النقابة الوحيدة بجسم عملاق متعدد عابر للأطراف والمحافظات، والأخطر لديه صلة مباشرة وكبيرة ومترابطة عضوياً بمؤسسات القطاع العام. ومن هنا كان «تسييس» هذه النقابة باعتبارها من منتجات ما بعد «الربيع العربي» بمثابة مغامرة كان سيدفع الجميع ثمنها يوماً من الأيام في الوقت الذي تغيب فيه سياسات التعقل والحكمة عندما يعتقد بعض المسؤولين، وخصوصاً الهواة منهم في طبقة الموظفين، بأن اجتثاث المكون الإسلامي المنظم في جمهور النقابة العملاقة خطوة ميسورة وسهلة، فالإخوان المسلمون مثلاً في عمق العمل الاجتماعي والتعليمي منذ أكثر من ستة عقود.
وتلك البضاعة التي تحاول ترويجها بعض الأقلام وهي تحرض على الإخوان المسلمين حصرياً وتتهمهم بالتصعيد في القطاع العام عبر نقابة المعلمين.. مجحفة أيضاً في التقييم؛ فنسبة التيار الإسلامي في المجالس المركزية والهيئة العام للمعلمين لا تزيد عن 18 % ويشهد بذلك ليبراليون ويساريون. ومبكراً قالها الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن الشيخ مراد العضايلة، وكررها عبر «القدس العربي»: المفلسون فقط يحاولون تبرير إخفاقهم وعجزهم عبر الادعاء بأن الحركة الإسلامية تقود حراك المعلمين.
في مقاربات العضايلة ورفاقه في الحركة الإسلامية.. تلك التبريرات واهية وبائسة، والأهم أن النافذين في التيار الإسلامي لا يؤثرون أصلاً ولا يستطيعون التأثير في نقابة المعلمين أو غيرها، حيث لا يوجد صافرة في التنظيم تطلق فتتجمد مطالب المعلمين، وحيث عملية تلاعب مراهقة من الوزراء مع من يمثلون هذا القطاع الذي يحظى بحاضنة اجتماعية كبيرة.
طوال الوقت، كانت تهمة «أخونة» حراك المعلمين جاهزة ومعلبة، لكن ذلك لا يضمن أن تشترى روايتها من الشارع على الأقل، فعدد الإسلاميين في الهيئة التي تقود النقابة لا يزيد عن 30 %. وعددهم في الجمهور للهيئة العامة قد لا يتجاوز 15 %، والانتخابات التي انتهت بالهيئة المعتقلة الآن هندست أصلاً قبل سنوات بمسطرة مضادة للإخوان المسلمين.
ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن بعض قادة حراك المعلمين يتجنبون الاستفزاز، خصوصاً في تعليقاتهم وتصريحاتهم التي تميل أحياناً إلى التصعيد.
تحول نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة إلى عدو للدولة وخصم عنيد، رغم أنه في المواقف والاجتماعات على يسار المتشددين في مؤسسات النقابة من أبناء الأطراف والمحافظات.
لكن ما ينقص النواصرة ورفاقه من رموز الحراك التعليمي تلك المرونة والخبرة العتيقة المطلوبة في العمل النقابي وسوء التعبير بين الحين والآخر وعدم تقدير أن الحاضنة الاجتماعية قبل كورونا قد تختلف عنها بعد الفيروس.
وبسبب كل هذه الظروف والاعتبارات كان أمر الدفاع الذي خصم كل علاوات القطاعات بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر بعير التأزيم، فعاد المعلمون للمطالبة بعلاوتهم ولوح قادتهم بالإضراب مع بداية الموسم الدراسي.
وصدرت مواقف وعبارات من الطراز الذي يمكن أيضاً الاستغناء عنه في مواجهة دولة رفعت شعار حماية المواطن في عاصفة كورونا على حساب الاقتصاد وتضرر الجميع أفقياً بدون استثناء، لكن الأجنحة المتشددة في نقابة المعلمين قررت الإصرار على مطالبها حتى في الظرف الحساس، وهي في كل الأحوال مطالب معيشية ومالية وليست سياسية.وعملياً، وفر بعض الحراكيين من المعلمين ذخيرة لصالح الجناح المتشدد في السلطات والذي يرفض ليّ الذراع ويعتبر المساس بهيبة الدولة والقانون خطاً أحمر وكبيراً جداً، كما قال لـ «القدس العربي» وزير الداخلية القوي سلامة حماد.
التوقيت الحساس للتأزيم الجديد بعنوان حراك المعلمين الأردني يحتاج إلى تعقل وحوار، لكن السلطة والدولة قالت كلمتها عندما وفر لها معلمون ذخيرة للانقضاض على نقابتهم قبل ستة أسابيع على الأقل من استئناف العام الدراسي، فقد أصبح الملف سيادياً وأمنياً ولم يعد نقابياً أو سياسياً.
وأمام وزارة التربية والتعليم اليوم أخطاء بعض قادة المعلمين وكذلك مساحة وقت قد تكون كافية قبل بداية العام الدراسي لاستئناف التعليم بالحد الأدنى من الأضرار قبل إخضاع النقابة بحلها أو بغيره، لأن السلطة القضائية أصبحت هي الحكم اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق