اراء و مقالات

عندما «صاح» العرموطي: عقوبة الرياطي «ذخيرة» لدعاة «الانسحاب» وأوراق البرلمان «تختلط مجدداً»

التجميد لمدة عامين لنائب حادثة «الملاكمة»

عمان- «القدس العربي» : مجدداً، يصبح المشهد مفتوحاً أمام تصعيد مستجد، لكن مع الإسلاميين حصرياً وسط فوضى التشابك وانفعال العديد من الأطراف تحت قبة البرلمان الأردني.
والعنوان هذه المرة، في رأي الإسلاميين وتصريحهم العلني، الإجحاف الذي لحق بهم جراء إقرار عقوبة التجميد لمدة عامين بحق ممثلهم البرلماني حسن الرياطي، وهي عقوبة قاسية بكل الأحوال، فكرتها أن النائب الشاب استخدم يديه وعضلاته في توجيه اللكم والضرب لخمسة من زملائه.

التجميد لمدة عامين لنائب حادثة «الملاكمة»

لافت جداً في تفصيل وتكييف العقوبة السياسي والقانوني أن الرياطي وحده وجهت له التهمة والإدانة، وأن شكواه المسجلة على ستة من زملائه تم تجاهلها، وأن ترتيب العقوبة لم يتضمن ولو حتى عقوبة خفيفة ضد من يتهمهم الرياطي من الزملاء، إما بشتم الذات الإلهية أو الإساءة للأعراض.
التحقيق تجاهل معطيات كثيرة وبالجملة عندما تعلق الأمر بمشاجرة الثلاثاء الشهيرة تحت قبة البرلمان الأردني، مع أن التحقيق نفسه تعامل مع معطيات الشكاوى، لكن البرلمان هنا لم يتصرف لا بتبادل كلمة «إخرس» بين نائبين ولا بعبارات وألفاظ غير لائقة وشتائمية سجلتها الكاميرات. وحسب الرياطي نفسه، لا عقوبات على الذين اشتكى هو عليهم من شاتمي الأعراض والذات الإلهية.
تلك تبقى رواية الرياطي لمسار الأحداث.
لكن السؤال يبقى معلقاً، في المقابل، في فهم خلفيات الرسالة السياسية من وراء هذه العقوبة، فمجلس النواب أو من يطهو أموره خلف الستارة يتجنبان عقوبة الفصل التام للرياطي، والسبب السياسي مفهوم ومتعلق بتجنب مزالق فصل النائب الشاب أو «الملاكم»، كما يسميه بعض الزملاء له، وهو أن بديله قد يكون إسلامياً أيضاً، وفقاً لأصول القانون إذا فقد عضويته.
المعنى بالنسبة للإسلاميين على الأقل، يمكن تلمسه من التعليق الذي أدلى به القيادي الشاب في الحركة الإسلامية الدكتور رامي العياصرة وهو يسأل: ما كل هذه الانتقائية؟
العياصرة تحدث بوضوح عن رسالة سلبية جديدة مما سمّاه بالدولة العميقة ضد الحركة الإسلامية، وقبل ذلك كان العياصرة – في نقاش مع «القدس العربي» – يتوافق مع رأي القيادي في الحركة الشيخ مراد العضايلة بخصوص حالة الاستعصاء التي يواجهها العمل السياسي في البلاد.
يميل الإسلاميون الآن للإشارة إلى أن مسألة المشاجرة وزميلهم الرياطي يتم توظيفها واستثمارها سياسياً مع الإقرار الضمني بارتكاب أخطاء من قبل الرياطي، الذي سارع للإعلان عن إجحاف العقوبة بحقه وعن عدم الأخذ بإفادته أثناء التحقق، فيما كان زميله القطب البرلماني صالح العرموطي يصيح علناً في أروقة البرلمان بعنوان تدخل جهات حكومية وأمنية في المسألة وبعنوان «لا ديمقراطية ولا حريات» في البلاد، وأيضاً بعنوان إسقاط مبدأ التقاضي في إطاره القانوني.
بالنتيجة، بالتأكيد ثمة جهات أرادت توجيه رسالة خشنة للإسلاميين بعد ظهور سلوك عنيف قليلاً منهم في مسارين، الأول بتوقيع الرياطي تحت قبة البرلمان، والثاني بتوقيع بعض كوادرهم في نقابة المهندسين في حادثة شهيرة.
يميل خصوم التيار الإسلامي داخل وخارج أروقة القرار إلى اعتبار أن الرد ضروري على استفزازاتهم في إطار استعراض القوة، وأن جناحاً بينهم يحاول الانقلاب على ما اتفق عليه في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، إضافة إلى أن الإحراج الذي نتج عن حراك الشارع ضد التطبيع في اتفاقية الكهرباء والماء الشهيرة كان -في رأي هذا التيار- بتوقيع الإخوان المسلمين.
في المقابل، يميل جناح مؤثر ونافذ في الحركة الإسلامية إلى إعادة التموقع بعد خذلان التيار الإسلامي في مسألة اللجنة الملكية، ويبحث عناصر هذا الجناح بالضرورة عن مبررات للابتعاد عن تحمل مسؤولية مرحلة التداعي بعناوين التعديلات الدستورية بعد الإحراجات التي تسببت بها تلك التعديلات لجميع الأطراف.
أقر الشيخ العضايلة مبكراً بأن الضغط شديد من كوادر الحركة الإسلامية على قيادة حزبه بالانسحاب من مجمل العملية السياسية، وأقرت عضو اللجنة الملكية الإسلامية ديمة طهبوب، مبكراً أيضاً، بانحراف بعض التعديلات الدستورية عما طرح وتم التوافق عليه في اللجنة الملكية.
سياسياً، لا يعني ذلك إلا أن العقوبة القاسية قليلاً ضد الرياطي قد توفر ذخيرة ومساحة تكتيك لصالح الأجنحة التي تدعم الانسحاب من العملية السياسية داخل الحركة الإسلامية.
عقوبة التجميد لعامين تعني، ضمنياً، توفير ذخيرة لصالح الاتجاه الذي يطالب بالانسحاب من تحت قبة البرلمان أيضاً، وتعني أن شعور قواعد التيار الإسلامي بعبث المشاركة السياسية حصل على دفعة قوية بعد العقوبة ضد الرياطي، وليس بسبب تلك العقوبة فقط، لكن أيضاً -وهذا الأهم- بسبب خلو طبخة ملف التحقيق بالمشاجرة الشهيرة من أي عقوبات تطال نواباً آخرين.
مع تقاطع الأزمة التي يعيشها مجلس النواب الأردني متشابكاً مع كثير من التفاصيل، يمكن القول بأن الأوراق السياسية اختلطت، وبأن أي خطوة تحت عنوان الاستقالة الجماعية يمكن أن تتخذها كتلة الإصلاح البرلمانية، ستؤدي إلى حالة معقدة جديدة قوامها خلو نحو 6 مقاعد على الأقل من البرلمان في توقيت حساس.
وقوامها أيضاً مكاسب حقيقية في الشارع للإسلاميين، يقابلها لاحقاً تكريس حالة صدام مع الدولة والحكومة ومخاطر محتملة جراء ذلك الصدام، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع حاد ومفاجئ في فاتورة وكلفة العلاقة مع مبدأ المشاركة، بحيث يزداد الموقف تعقيداً.
عقلاء الحركة الإسلامية يحاولون الاحتواء وتجنب ردود الفعل التي يمكن أن تؤدي إلى صدام حرج لاحقاً، لكن القواعد لها تقدير مختلف، والرسالة السياسية في عقوبة الرياطي من الصعب إنكارها، وبالتالي الموقف معقد برمته الآن، والأوراق اختلطت فعلاً.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق