اراء و مقالاتمقالات وآراء

فصام التعددية الحزبية يؤرق الأردنيين و«فيتو» على الإسلامي و«المدني» واليساري

هل سيقع المحظور؟… التيارات هي الحل لكنها ورقة في يد المعارضة أيضاً

 

 تماماً على طريقة الأفلام الأمريكية، اختصر وزير التنمية السياسية الأردني مساحة الخلاف وبدا محترماً لسيادة القانون وحق التقاضي عندما اقترح صيغة بكلمة واحدة على بعض رموز وقادة حزب التحالف المدني بعنوان «قاضوني».
مع يساري تقدمي معروف وخبير بثنايا المشهد الحزبي في البلاد، مثل الوزير موسى المعايطة، لا يمكن القول بأن خياراً من وزن مقاضاة وزارته على قرار إداري يندرج في إطار السخرية بقدر ما هو في سياق احترام فكرة التقاضي عند بروز خلاف مع أي من الأحزاب الموجودة. كانت المسألة لها علاقة بطلب رسمي تقدم به رموز معنيون بتأسيس حالة حزبية مدنية تماماً بغرض الاندماج. وبالرغم من توفر جميع شروط الاندماج القانونية والمنصوص عليها، رفض طاقم الوزير المعايطة السماح به. عندها لجأ المعنيون بالتجربة على أمل معالجة خلاف داخلي ولأغراض المصلحة العامة للوزير المعايطة في محاولة لفهم أسباب قرار وزارته برفض الاندماج.
ورغم اكتمال الشروط القانونية، وعندما سئل الوزير نفسه عن الخطوة التالية، أشار إلى أن الطريق الوحيد هو اللجوء إلى القضاء. وقد تعبر هذه النصيحة البيروقراطية عن حالة إغراق ديمقراطية في تفكير الوزير وكادره، لكنها قد تعبر أيضاً -وهذا في باب الاجتهاد والتحذير- عن مزاج في الدولة لا يؤمن بتقديم تسهيلات للجبهات والمجاميع التي ترفع يافطة تؤمن بتشكيل حزب مدني عريض وعميق في الأردن.
الحقيقة، في المقابل، أن دعم المسار الحزبي أصبح قضية حمالة أوجه داخل أروقة القرار الأردني. بعض الأحزاب موجودة أصلاً وعريقة، لكن مسيرتها تعرقل بين الحين والآخر، وعندما تحشد المعنيون بتجربة حزبية مدنية الطابع باسم التحالف المدني استهدفت التجربة وبقسوة وتعرضت لسلسلة من الانشقاقات والتعبيرات الفوضوية لإجهاضها وبتدخلات من الصعب إنكارها رسمياً، كما يلاحظ الناشط المحامي هيثم عريفج وهو يشتكي أمام «القدس العربي» من رسالة مزدوجة تصل الشباب الأردني، واحدة تدعم باتجاه تأطير العمل الحزبي والتنوع، وأخرى تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً. تلك مفارقة لا يتعرض لها فقط حزب التحالف المدني، وتؤشر على حالة فصام حكومية.
ولا يشعر بها فقط المحامي الناشط عريفج، بل بدأت تشغل الأوساط السياسية وتثير خلف البوابة وأمامها ظلالاً من الشك والريبة في حقيقة المسافات الفارقة بين الرؤيا المرجعية الملكية التي تدعم علناً التعددية الحزبية وتحفز الأردنيين على الانضمام للأحزاب، وبين الاستحكام البيروقراطي التقليدي في الحكومة، حيث سلطة تنفيذية تجتهد في تقديم رسائل ضد فكرة تأطير العمل الحزبي أيضاً.

ترصد وتحصل هذه المفارقات دوماً رغم أن مصالح البلاد العليا بدأت تتطلب تشكيل جبهات حزبية فاعلة، ليس فقط تلبية لطموح علني للملك عبد الله الثاني ردده عدة مرات داعماً لفكرة وجود أحزاب كبيرة تمهد لتداول السلطة، بل أيضاً لأن متطلبات الأزمة الإقليمية والاقتصادية والحالة الفوضوية في المستوى الداخلي تتطلب تماماً تكريس البرامج الحزبية.
بعض القوى في أقنية القرار لا تبدو مؤمنة أو متحمسة لمثل هذا الاتجاه، فالمخاوف من تشكيل حزب مدني حقيقي عريض لا تقل عن تلك المنشغلة بملاحقة حزب جبهة العمل الإسلامي الأكبر والأعرض في البلاد، أو التي تلاحق التعبيرات اليسارية.
سمعت «القدس العربي» وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر، وهو يتحدث عن ضرورة التخلص من عقدة دعم تجارب حزبية غير تلقائية فقط على أساس التصدي للإخوان المسلمين.
لكن أحد الطلاب الجامعيين سجل مجدداً المفارقة نفسها في حوار صريح ومنقول مع الملك شخصياً، عندما تحدث عن كيفية تصرف سلطات الحكومة مع نشاط الشباب الحزبي من حيث المنع والإعاقة، وأحياناً الملاحقة، مقابل الرؤية الملكية التي تتأمل تطوير الحياة الحزبية.
طبعاً تلك واحدة من المفارقات التي ستبقى غير مفهومة في الأردن، فتجذير الحياة الحزبية أساسي في متطلبات الإصلاح السياسي، وكلمة الإصلاح مرفوضة برأي وتقدير القطب البارز في الحركة الإسلامية الشيخ زكي بني ارشيد، حتى عندما يتبناها أو يقولها أي طرف في المجتمع، بما في ذلك رابطة الموسيقيين مثلاً.
للدولة، بطبيعة الحال، حساباتها. وللمتعطشين لحياة حزبية برامجية انحيازاتهم. وللطرفين رواية مضادة عن ميسار الأحداث. لكن الخارطة الحزبية لا تزال عالقة، وتشكل أحد أقدم أعراض المرض والخلل في الداخل الأردني، لا بل أحياناً تؤسس لحالة فصام رسمية وبيروقراطية غريبة تعبر عنها سلوكيات أو أقوال بعض المسؤولين وهم يلمحون إلى أن وجود أحزاب قوية مجازفة كبرى بالنسبة للدولة.
وإن كان الأمر ليس كما يظهر، لأن الحكومة والوزراء في الواجهة، ويتصرفان على أساس أجندة غامضة أو غير مفهومة في مسألة وملف الأحزاب، تماماً كما حصل مع الوزير المعايطة الذي يدير وزارة معنية بشؤون الأحزاب، متنقلاً وسط شبكة وغابة من الألغام ومن كل الأصناف.
هذا التباطؤ العنيف في اتخاذ خطوات أعمق نحو تكريس العمل الحزبي يتحالف مع مؤشرات الارتياب الأمني والرغبة في السيطرة على المشهد الداخلي بدون مجازفات.
المحظور الذي بدأ يظهر على السطح كانعكاس للتحالف الغامض هو أن الإصرار على تغييب الأحزاب وشق الجزء المدني منها وملاحقة الإسلام في تكوينها سيقود حتماً إلى فوضى على شكل مبادرات لتأسيس تيارات مدنية بدلاً من أحزاب منضبطة في ظل القانون.
الجميع في دائرة الولاء والمعارضة معاً يفكرون الآن بالبديل التياراتي.
تلك مسألة تغفل عنها عين الحكومة، وستؤدي مجدداً ودوماً إلى تشويه على شكلين، الأول هو تيارات باسم الولاء تستقوي لاحقاً على الدولة، والثاني تيارات في الاتجاه المعاكس تشتبك مع النقابات المهنية وتؤسس لحالة أقرب إلى حالة نقابة المعلمين، ما يدفع الجميع للسؤال الأهم: هل سيقع المحظور؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق