اراء و مقالاتمقالات وآراء

فوبيا الاندماج و«محرقة» الواقع و«مطحنة السلام» وأشباح «الإقليم» تطارد مبكراً سقف برلمان الأردن الجديد

 

 تبدو مقاربة استقطابية مفتوحة الاحتمالات وليس الخيارات: النائب الشاب في برلمان الأردن الجديد، عبد المنعم العودات، رئيساً لمجلس النواب الـ 19. تلك رواية لم يكن من الممكن أن تصادق عليها المخيلة لعدة أسباب لا علاقة لها من قريب أو بعيد بأهلية وقدرات الرئيس الأسبق للجنة القانونية، وإن كان الاعتقاد بأن اللعب بورقة التيار الشاب في البرلمان الجديد هو أصلاً استراتيجية مقررة في أرفع المستويات.

مهمة صعبة

طبعاً دون أحد المخضرمين في موقع النائب الأول لرئيس المجلس، ودون مكتب دائم ناشط ولديه تراكم في الخبرة، ستكون مهمة العودات صعبة. لكن الأهم سياسياً هو الانطباع العام بأن مجلس النواب المنتخب والمثير للجدل سيمرر حزمة من القرارات الصعبة والمعقدة والمهمة. بالتالي، الحريصون على مسيرة العودات كلاعب جديد، يطالبونه مبكراً بالحذر حتى لا يتحول حضوره على سدة البرلمان وواجهته إلى ورقة سيناريو في مشهد محروق مسبقاً. فهمت «القدس العربي» من العودات نفسه أنه يدرك هذه المسألة ويستطيع استنتاج الباطني من الإشارات، كما يدرك بأن الظرف الوطني العام صعب ويحتاج إلى عمل استثنائي قد يكون عنوانه مأسسة العمل البرلماني قبل أي اعتبار آخر. ويبدو كلاماً جميلاً وإيجابياً يتسق مع كيمياء شخصية صاحبه. لكن في النطاق العملياتي وفي الميدان، لا تتعلق المسألة بالنعومة والدبلوماسية؛ فالملفات التي على المحك خطيرة وحساسة، وبعضها تلغيمي، خصوصاً في الجزء الذي يتوهم الجميع أن له علاقة بخارطة الإقليم الجديدة وبالقضية الفلسطينية، وفي سياق نفس الوهم الذي يتكرر، مفترضاً بأن وجود العودات أصلاً ثم نحو 100 نائب جديد تماماً قد يكون له علاقة بأجندة سياسية غير شعبية اقتضت أصلاً تبديل وجوه رموز الموالاة المعروفين، كما اقتضت أقل حد ممكن من ممثلي الأخوان المسلمين في البرلمان.

حزمة قرارات «صعبة ومعقدة ومهمة» في الطريق… والمخاوف أكثر

يجد العودات نفسه محاطاً بهذه التحديات، وقدراته على تمثيل مجلس النواب والنطق باسمه قد لا تكون مجالاً للشك، لكن خبرته في إدارة جلسات صاخبة قد تنفلت هنا أو هناك هي محط السؤال الرئيسي. ولا يريد العودات ولا ينبغي له أصلاً أن يغرق في هذه التأويلات والتكهنات. ولا يعني ذلك أن الانطباع ليس قوياً في مخيلة الشارع وبعض قواه تحت عنوان تنازلات مؤلمة في الطريق مرتبطة بالقضية الفلسطينية، يقال ويتردد أنها تتطلب وجود مجلس نواب مطيع ولا مكان فيه لمخالب المعارضة الجذرية، ووادع إلى أبعد الحدود، ويميل إلى تمرير الأجندة الحكومية والرسمية.
ما ينقص هذا التأويل هو أن مجالس النواب جميعها كانت أصلاً من هذا الصنف، فالمعارضة إما محشورة ومنزوعة الدسم أو غير موجودة أصلاً، وبالتالي طاعة القرار والوداعة في تمرير سياسات الحكومة – أي حكومة – أو مشاريعها تظل مسألة لا تقضي تبديلاً دراماتيكياً في المناقلات والمناصب،
وإن كان من حق نائب مثل العودات أن يخوض تجربته الشخصية كمرشح مستقل لرئاسة مجلس النواب بعيداً عن الغرق في التأويلات والتكهنات، خصوصاً تلك التي تفتقد للدقة أو لا ترافقها أدلة وقرائن.
والانطباع أيضاً متماسك ومتوسع أفقياً تحت عنوان الخوف والرعب من فوبيا الاندماج مجدداً بما يسمى بالخيار الأردني في المعادلة الفلسطينية تحت شبهة إمكانية تمرير مشاريع موجعة عبر مجلس النواب الحالي، وهو أيضاً توقع مربك لجميع الأطراف، ويضع المجلس قبل أن يبدأ عمله في إطار الارتياب الشعبوي.

العلاقات الأردنية – الفلسطينية

يعتقد هنا ويتبنى هذا الرأي مثلاً الناشط السياسي محمد خلف الحديد، بوجود رواية أو سردية تقول بأن ملف العلاقات الأردنية – الفلسطينية تم ترتيبه وسيدخل نطاق الاستحقاق مع نهاية شهر شباط المقبل، الأمر الذي اقتضى -طبعاً حسب تلك النظرية – هندسة الانتخابات وصولاً إلى 100 وجه جديد في البرلمان، ثم إلى توليفة جديدة متعاونة ومهادنة وأميل إلى التسويات والصفقات في المكتب الدائم لمجلس النواب. طبعاً، يعرف الجميع هوامش فوبيا الاندماج الأردني في عمق معادلة الضفة الغربية. ويعرف الجميع مستوى الحسابات وحجم الإرباكات الناتجة عن تفصيل و»تقميش» المشهد الإقليمي ضمن بوصلة تناسب المشروع الإسرائيلي، الأمر الذي قد يجد فيه برلمان الأردن الجديد نفسه مشتبكاً مع تفصيلات وتساؤلات حائرة.
مجدداً، يرى العودات قبل الآخرين أنها مبالغ فيها، وقد لا تنتمي للواقع. والأهم أن العودات يترشح لرئاسة مجلس النواب، وفي الانطـباع العام اتجـاه ومسار مفصل نحو محرقة سياسية ما، وفـي الكواليـس شبح مجلس النواب السابق ورئيسه القوي الذي غادر المشـهد المهـندس عـاطف الطـراونة.
طبعاً، تلك مهمة معقدة، والقدر السياسي يدفع العودات نحوها مع رفاقه النواب الجدد وبعض القدامى مزنراً ومحاطاً بدعم غير مسبوق من الدولة العميقة المعنية بدورها بالاحتراز على مصالح الدولة والمملكة وبمغادرة مطحنة عملية السلام أصلاً بأقل خسائر ممكنة، وسط القناعة بأن تحقيق مكاسب تظل مسألة فاتها القطار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق