اراء و مقالات

قوة الأردن «الناعمة» في مواجهة «زحف اليمين» لهياكل «العمق الإسرائيلي»

حمى المنصات و«كمين» الوزير صخر دودين

عمان ـ «القدس العربي»: حديث وزير الاتصال والناطق الرسمي الأردني صخر دودين، عن قوة بلاده الناعمة في مواجهة إسرائيل ينبغي ألا يثير معظم الضجة التي شهدتها البلاد بسبب «موضوعية» مثل هذا التقييم.
العاصفة التي حاولت النيل من الوزير دودين انطوت على كثير من المبالغة في الأثناء، وشروحاته المتعلقة بتحريف تصريح منقول عنه عبر محطة «سي إن إن» لا أحد يريد الانتباه لها وسط حالة ضبابية إعلامياً وجماهيرياً في الأردن قوامها وجود حافز لمهاجمة أي مسؤول حكومي دوماً وبصرف النظر عن ما يقوله أو ما لا يقوله.
بهذا المعنى وجد الوزير المثقف دودين نفسه وجهاً لوجه أمام كلفة التعليق على الأحداث والإجابة على أسئلة مطروحة وسط مجتمع متحفز للانقضاض على أي إفصاح للحكومة، في الوقت الذي تخفق فيه بوضوح ماكينة الإعلام الرسمي الأردنية وتتصدر لا بل تقود الجميع، على حد تعبير القطب البرلماني خليل عطية، منصات التواصل التي تخلو في كثير من الأحيان من الفلترة أو الدقة أو التدقيق.
وجد الوزير دودين نفسه في كمين من هذا النوع طوال الأسبوع الماضي، وعلى الأرجح دفع ثمن ميل المواطنين الموسمي المألوف للتحرش بالحكومة والنواب تحديداً، فيما يقر وأمام «القدس العربي» رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة بصعوبة، إنكار ملامح أزمة الرواية الحكومية ومصداقية الخطاب وأوراق التصريح والتعليق الإلكتروني المبعثرة.
وهو يقر أيضاً بأن الحكومة تعرف بأن تنظيم الاشتباك بمعناه الإعلامي المهني مسألة صعبة لا بل معقدة أحياناً.
شغف الشارع الأردني باستعمال وسائط التواصل ومراقبة كل صغيرة وكبيرة لها علاقة بالوزير أو المسؤول واضح. وهو إن كان قد ساهم في إظهار الحقيقة وزيادة انسياب المعلومات وتوفير آليات مبتكرة طازجة فعالة لمراقبة السلطات التنفيذية، إلا أن هذا الشغف يرهق المسؤولين والسلطات في الوقت نفسه، ويشغلهم بأي مستجد ولأيام طويلة بين الحين والآخر.

حمى المنصات

يقترح خبير في الاتصال والتواصل، هو وليد عجوري، على الحكومة وسكان الطبقات العليا جميعاً التفكير بالتعايش بعد الآن مع حمى المنصات التي لا يمكن هزيمتها حتى بتفعيل وتنشيط عقوبات واستجوابات يسمح بها قانون الجرائم الإلكترونية المعدل الجديد.

حمى المنصات و«كمين» الوزير صخر دودين

في كل حال، كان الوزير دودين يرد على سؤال صحافي بعنوان كيف تتصرف السلطات في مواجهة إسرائيل وما يجري بالقدس، وكان للجواب علاقة بالقوة الناعمة التي يمثلها الأردن من خلال ثقله السياسي والدبلوماسي والضغط على الإسرائيليين عبر المجتمع الدولي، وليس عبر الدبابات والصواريخ.
حملة اللوم والاتهام للوزير دودين بعد هذا التصريح كانت كبيرة جداً رغم أن المعني لم يتطرق بشكل تفصيلي لا من قريب أو من بعيد لمسألة الموازين العسكرية التي تقع بطبيعة الحال خارج صلاحياته ونطاق اختصاصه.
الحملة كانت شرسة وأحياناً منظمة على وزير لم يخطئ في الواقع، فالقوات المسلحة الأردنية صلبة وقوية، وفي تاريخها صولات وجولات في مناجزة الإسرائيلي، واستعمال القوة الدبلوماسية الناعمة في تكريس الوصاية الهاشمية على القدس لم يكن أكثر من خيار، في التصريح لناطق رسمي يرد على استفسار علني خلافاً لأنه خيار يقرأ الواقع ويتعامل معه.

الأزمة مع إسرائيل

الأزمة مع إسرائيل أكثر عمقاً وجذرية اليوم في مقاربات مؤسسة القرار الأردنية من تلك الأمزجة التي حكمت الانشغال في مفردات وتعبيرات الوزير دودين، وما يجري الآن في مدينة القدس من مواجهات بين الاحتلال وأهلها في حماية مرافق الوصاية الهاشمية الأردنية يشكل اختباراً حقيقياً لعلاقات متدهورة أصلاً وصامتة بين عمان وتل أبيب.
تدعم الأوقاف الأردنية، بما تستطيع تقديمه، حراك أهالي القدس في الدفاع عن حقوقهم في الصلاة، لكن الأردن الرسمي ليس في موقع يسمح بدعم انتفاضة فلسطينية ثالثة لا في القدس ولا في غيرها من المواقع في الأرض المحتلة، خلافاً لأن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية ينسجم سياسياً مع تقديرات وتفضيلات المؤسسة الأردنية التي تتصور اليوم بأن الانتخابات ينبغي ألا تجري في ظل المنسوب الحالي من تفوق حركة حماس والانقسام الفتحاوي. تلك طبعاً وجهة نظر الأردن الرسمية.
لكن على صعيد الملف الإسرائيلي، تتعرض العلاقات لمحنة الآن قد تكون خباياها وخفاياها هي المحفز لكلمات الوزير دودين بخصوص هوامش القوة الناعمة في المواجهة وعدم امتلاك القدرة العسكرية لفرض أي قرار على كيان الاحتلال.
قد لا يكون تعليق دودين في مكانه وزمانه، وقد يكون جارحاً أو يحاول الاجتهاد في منطقة خارج الاختصاص، إلا أن هذا الواقع لا ينفي حالة الفصام التي تعيشها علاقات الأردن مع الإسرائيليين.
وهي حالة تختبرها أحداث القدس اليوم، وتعبر عنها غرف القرار الأردني العميقة وهي تحاول التمسك قدر الإمكان بما تبقى من تنميط للعلاقة مع الجار والشريك الإسرائيلي ضمن معادلة مزدوجة فكرتها التواصل الإيجابي مع مؤسسات العمق الإسرائيلي، وبقاء العلاقات جيدة هنا مقابل أزمة في صلب العلاقات والاتصالات مع اليمين الإسرائيلي وحكومة بنيامين نتنياهو.
قد تطول الفترة التي يدفع فيها الأردن ثمن لهجة التحدي في وجه اليمين الإسرائيلي. وقد تظهر الوقائع التي تشير إلى أن الاستثمار في ومع مؤسسات العمق الإسرائيلي لا يفيد في تأسيس علاقات حقيقية تحافظ على تراث اتفاقية وادي عربة، فعمان تعلم تماماً بأن علاقاتها مع العمق لا تعفيها من هجمة اليمين ونتنياهو عليها.
وعمان تعلم تماماً بأن اليمين اليهودي المتطرف زحف وبقوة خلال الأعوام السبعة الماضية إلى عمق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لا بل العسكرية أيضاً.
الاختبار الأردني مع الإسرائيليين معقد وكبير، ومرحلة التعاطي مع الإدارة الأمريكية الجديدة تتطلب التموقع مجدداً، سياسياً وإعلامياً، في بؤرة القوة الناعمة التي يجيدها الأردنيون.
لعل ذلك هو السبب في الحملة المبالغ فيها على الوزير دودين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق