اراء و مقالاتمقالات وآراء

كلفة الانكماش أو عكسه… سؤال «المالية» المؤرق في الأردن: أزمة «سيولة» وسياسة «تحفظ» والابتزاز «الخدماتي» في الطريق

لا أحد في المشهد الداخلي الأردني يمكنه ضبط الجملة الوطنية المسؤولة، ولو على بيكار احتياجات المرحلة الحساسة، مادام مجلس النواب الجديد يصر على غرائزية الخطاب، وعملية تفريغ المحتوى السياسي والنقابي من السياق العام «باقية وتتمدد» .
حاول النواب الجدد بنشاط على هامش مناقشات ماراثون الثقة بالحكومة استعراض فصاحتهم أحياناً، وعضلات الأهلية أحياناً أخرى، فيما يعتقد بأن هذه المحاولة ستكرر على الأرجح بعد انتهاء ماراثون الثقة مساء الأربعاء أو مساء الخميس اعتباراً من صباح الأحد حيث تبدأ مناقشات الميزانية للدولة.
لا تصلح تلك الغرائزية الاستعراضية لمناقشة حيثيات وبيانات رقمية في واقع مالي واقتصادي أعدت بعناية، مع أن وزير المالية المختص الدكتور محمد العسعس اجتهد في الشرح والمناورة بقدر ما يعلم، وشرح ما يستطيع شرحه خلف الستارة ليس فقط لمن سأل من النواب والمسؤولين ولكن أيضاً لمن استفسر من أعضاء اللجنة المالية وزملائهم في اللجنة الاقتصادية.
شعرت «القدس العربي» بأن رئيس اللجنة المالية الدكتور نمر العبادي، لا يبدو مرتاحاً عندما التقته لمرة وحيدة بعد قراءتين معمقتين على الأقل في بيانات مشروع الميزانية المالية، ملمحاً إلى فارق في الأرقام والمعطيات، وإلى أن لجنته ستتعاطى مع التفاصيل في إطار رؤية وطنية أعمق، تأخذ بالاعتبار مصداقية الرقم والتوقع بالتوازي مع المصلحة الوطنية المالية الأعلى.
ما الذي يعنيه ذلك بصورة محددة؟
طبعاً لا يمكن معرفة الإجابة قبل أن تتقدم مالية النواب بخلاصة نقاشها وترفع توصياتها لمجلس النواب في الوقت الذي كان يصر فيه الوزير العسعس طوال الوقت على مساحة صلبة من المصداقية في البيانات والمصارحة والمكاشفة أمام ممثلي الأمة حتى تقوم جميع المؤسسات بدورها الدستوري المنوط.
ما الذي يعنيه ذلك، في المقابل، إذا ما قرر النواب إكمال استعراض مهرجان الخطابات الرنانة عند تلاوة وقراءة مشروع الميزانية المالية؟ أيضاً هنا سؤال من الصعب تجنب منحنياته المتعرجة عند الرغبة بتحصيل إجابة، فالنواب عند مناقشات الميزانية المالية في العادة يخاطبون دوائرهم الانتخابية حيث المناطق والعشائر أكثر من مخاطبة الجميع. وعليه، فالفرصة تكون متاحة بالعادة للضغط على الحكومة أو ابتزازها خدماتياً، والاسترسال قدر الإمكان طبعاً في تقديم مطالبات تحتاج إلى مزيد من النفقات والمال.
ومع أن الوزير العسعس قرر بأن لا تكون الميزانية انكماشية، إلا أن كلفة الانكماش أو عكسه مسألة لا تعني من يخطب من نواب الأمة من أجل الرأي العام، بصرف النظر عن الذاكرة الشعبية أو حتى عن الوقائع والحيثيات البيانية على الأرض، فحجم النفقات الرأسمالية تقرر أن لا ينتقص منه لإدامة الخدمات العامة وفي إطار محاولة، ولو جزئية، لبقاء ما تيسر من الاقتصاد المحلي متحركاً.
وضخ سيولة بين أيدي القطاعات بهدف التحريك عبر سداد بعض ديون المقاولين أو غيرهم من شرائح العمل مع القطاع العام كان بين الاتجاهات التي سبقت عاصفة الفايروس كورونا، وقررها الوزير العسعس، لكن القطاع المصرفي -وهو بالمناسبة نافذ سياسياً- لا يزال متحفظاً ويرفض التجاوب مع المقترحات التي تطالبه بالتوسع في التسهيلات والقروض ووضع سيولة بين أيدي الناس على أمل تعويض ولو بجزء من التراجع الاقتصادي، وعلى أمل وقف حالات إغلاق العديد من المرافق والنشاطات بسبب تداعيات الفايروس.
طالب علناً بذلك رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، وطالب به الممثل الأهم والأكثر نشاطاً للقطاع التجاري خليل الحاج توفيق، كما طالب بنفس السياق العشرات من الخبراء، لكن القطاع البنكي يتحفظ والحكومة طبعاً لا تضغط عليه، والبنك المركزي لا يتدخل بطريقة تثير شهية التساؤل.
وعندما سألت «القدس العربي» مسؤولاً بارزاً في الحكومة عن سبب عدم تدخلها مع القطاع المصرفي لتسهيل القروض للقطاعات المتوسطة والصغيرة، كان الجواب على شكل تحذير عميق من أن الحكومة لن تتدخل في القطاع المصرفي ولا ينبغي لها أن تفعل، فتلك مسألة بين أركان القطاع ومؤسسات الإدارة النقدية في الدولة، وعلى رأسها البنك المركزي.
لا يريد كثيرون المساس بسعر الدينار ولا المجازفة بقصة النجاح الاستثماري الصلبة الأهم للقطاعات في الأردن، على حد تعبير عمر ملحس وزير المالية الأسبق. وهي القطاعات البنكية، لكن الواقع المالي في أوساط المجتمع يزيد تعقيداً، وهو تعقيد يقول الدكتور العبادي بأن اللجنة المالية وبعدها مجلس النواب معنيان بالتعامل مع ومناقشة أسبابه.
من أين يمكن تدبير سيولة نقدية لتحريك ما تيسر من الاقتصاد الأردني المتوسط والصغير والذي يمثل الأغلبية؟ هذا هو السؤال المثير مرحلياً عشية انتظار مناقشة برلمانية يتوقع أن تكون غرائزية أيضاً لمشروع الميزانية للدولة. وهو سؤال لا مرونة فيه، والإجابة عليه معقدة، مع أن مشروع الميزانية تقصد تقليص توقعات بند المساعدات التي قد تأتي للبلاد.
ومع أن أعماق السؤال محيرة، فرئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة يهتم بتخصيص ما يمكن مالياً لبرنامج عميق يدعم القطاعات الأكثر تضرراً، لكنه يعلق باستفسار بسيط على كل من يسأله عن «تعويضات» وهو تعليق على شكل.. من أين تدفع الحكومة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق