اراء و مقالاتمقالات وآراء

كمين العلاقة الفلسطينية – الأردنية… والأهم كيف انتقلت حمى السلام الإبراهيمي إلى «المغرب»؟

: يتكئ السياسي الأردني الخبير والعتيق طاهر المصري على مستجدين مهمين حصلا مؤخراً في المستوى الإقليمي والدولي لمراجعة أو إعادة قراءة منظومة تحذيراته الشهيرة سابقاً بعنوان «مشروع تصفية القضية الفلسطينية».
المستجد الأول يتمثل في انتقال حمى ما سمي لأغراض إعلامية بـ «السلام الإبراهيمي» من عمق دول الخليج إلى وسط إفريقيا حيث السودان، ثم الحلقة الأهم مرحلياً في المغرب. برأي المصري، ما حصل مع المغرب مؤخراً لا بد من تأمله بعمق حتى ضمن متطلبات فرضية التباين، فالمغرب دولة اتجهت نحو التطبيع مع العدو الإسرائيلي وحصلت على ثمن سياسي واجتهدت في التأكيد على ثوابتها في القضية الفلسطينية، وهذا التباين ينبغي أن يقرأ لأغراض التحليل والتشخيص، لكنه تحول خطير ومهم بالتوازي.

«العتاب المر»!

المستجد الثاني يتمثل في تلك «المكونات» التي تتجمع وبالتدريج على مستوى المجتمع الدولي، وتوحي بأن هذا الحراك النشط في كل الاتجاهات على صعيد القضية الفلسطينية تحديداً ينبغي أن ينتهي «بشيء ما» محذراً بطبيعة الحال النظام الرسمي العربي من الحرص على أن تكون النهاية -بالحد الأدنى- أقل ألماً ووجعاً إذا لم تكن سعيدة أو تبشر بخير. لا يجد المصري عملياً ما يمنعه الآن من بناء تصور مستجد سياسياً يراجع فكرته القديمة منذ سنوات عن مشروع نشط لتصفية القضية الفلسطينية، وهو كسياسي مراقب يقول بأنه لا يستطيع إسقاط تجمع تلك المكونات المثيرة بعضها مع بعض.
ويتدرج المصري، وهو يناقش المشهد مع «القدس العربي» في الشرح والتحليل، ويرى بأن العلاقات التطبيعية بين إسرائيل والمغرب محطة في غاية الأهمية والحساسية والخطورة؛ لأنها توحي ضمنياً بأن فضاء الحركة الإسرائيلية يبدو مرناً أكثر وينعش اليمين الإسرائيلي. وهو يتغذى على سيناريو الانفراد بكل نظام عربي مستقلاً عن الآخر، وتلك ليست مسؤولية إسرائيل التي تحاول قطف المزيد من ثمار النفوذ والتحكم في المنطقة بقدر ما هي أيضاً مسؤولية النظام العربي المتشتت غير الموحد الذي يترك الشعبين، الفلسطيني والأردني، وحيدين ومعزولين وأحياناً محاصرين، ثم يسمح للإسرائيلي بالتجول باسترخاء بين دول المنطقة.
لكن المرحلة لا تحتمل «العتاب المر» فقط الآن برأي المصري، والضرورة تتطلب الانتباه جدياً لما يحاك، والحرص بالحد الأدنى على «تخفيف الألم» ومواجهة النمو الكبير في النفوذ الإسرائيلي في عمق معادلة محاور النظام العربي الرسمي بأي قدر فعال من الذكاء حتى لا نقول تحقيق أي مكاسب على الأرض وفي الميدان. يقدر المصري بأن العالم، وتحديداً في الجزء الغربي منه، ضجر من الرجل الذي يحمل اسم دونالد ترامب بعدما أقلق الدنيا وأشغل الجميع بسلسلة مناورات وحراكات تهدد الاستقرار العام في العديد من المواقع. يحتفل العالم اليوم على نحو أو آخر بمرحلة يغيب فيها ترامب الرجل والفكرة.

طاهر المصري يقرأ: مكونات «تنضج» باتجاه «دولة فلسطينية» واحذروا «شيطان التفاصيل»

وعلى المستوى العربي، وتحديداً في الجزء الفلسطيني منه، يعلم الجميع بأن الإدارة الديمقراطية بزعامة جو بايدن قد يكون لديها خبرة أكثر في المنطقة وقضيتها المركزية، وقد يكون لها مبادرات والتزامات علنية أقل ضرراً من تلك المتشنجة عند طاقم ترامب، وطبعاً ذلك لا يعني الإفراط في التفاؤل ولا بناء رهانات خاسرة بقدر ما يعني ضرورة الانتباه للتفاصيل والاستثمار في الفرصة. وبقدر ما قد يعني لاحقاً ليس «دفن» صفقة القرن كما عرفناها وهي تنشأ من نوايا الظلام في المرحلة الترامبية، ولكن على الأقل تعديلها أو التخفيف من شرها، بحيث تنتهي بحلول واقعية ومنطقية ونسبة الإنصاف فيها أكثر قليلاً، والحلول قابلة للصمود والبقاء مع الأجيال المقبلة، كما درج الملك عبد الله الثاني على القول.
سئم العالم ترامب – يشرح المصري – ومع وجود الديمقراطيين يمكن تلمس كيف سئم العالم أيضاً «عدم وجود» حل للقضية الأقدم، وثمة ما يدفع تحليلاً للاعتقاد بأن النفوذ الإسرائيلي التطبيعي المترامي الأطراف الآن ليس كله خيراً للإسرائيليين، فهو ضمنياً له ثمن، والثمن الضمني المفترض هو السلام أو العودة إليه على الأقل. وهذا التطبيع المجاني الذي يتخذ شكل هجمة أربكت حتى اليمين في المجتمع الإسرائيلي، قد لا يسمح له العالم بالانفلات دون ثمن. بمعنى آخر، العالم قد يطالب إسرائيل قريباً بحلول… وهنا مربط الفرس العربي.
والعالم سئم الصراع، والحراك التطبيعي النشط يعني أن القضية الجوهرية على الطاولة، وهي قضية الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى، وبالتالي ثمة مكونات تتدحرج وتفرض نفسها في النقاش السياسي يفترض أن تنتهي بخيار ما. ويبدو للمصري أن البوصلة انحرفت قليلاً من إرهاق المنطقة وإدامة الصراع لعقود عبر تصفية القضية الفلسطينية، إلى خيارات قابلة للتفاوض وعملية سياسية يتم إنعاشها، وتطبيع له كلفته على الإسرائيليين وطبعاً على الفلسطينيين والعرب، وهذا التراكم في المكونات قد يقفز بخيار حل الدولتين بصيغة شبه مؤكدة.

«دولة فلسطينية»… ثغرة وتنويه

لكن الأهم أن ذلك سيعني فوراً تدشين بداية التفكير بـ «دولة فلسطينية». الفرصة بتقدير المصري يبدو أنها مواتية اليوم لذلك، والرهان على ما يستطيع الفلسطيني والنظام العربي إنجازه. العالم على الأرجح يتهيأ لهضم فكرة إقامة دولة فلسطينية، وفكرة تصفية القضية الفلسطينية بمنظورها اليميني المتطرف أبعد، وصفقة القرن المزعومة بمخاطرها وأزمتها ترحل مع صاحبها ترامب.
ماذا نحن فاعلون كعرب؟.. هذا هو السؤال المركزي بالنسبة لطاهر المصري، فهو يشتم تراكم تلك المكونات، والموقف يتطلب جاهزية وتنسيق، وعند الحديث عن دولة فلسطينية نعلم جميعاً بالسقف الافتراضي لها. ونعلم جميعاً بأنها، وإن كانت سياسياً مستقلة ومعترفاً بها، فقد لا يسمح لها بامتلاك السيادة الكاملة. ومن الضروري، ومن باب التحليل أيضاً، الافتراض بأن شكل تلك الدولة الفلسطينية بعد نضوج التراكمات التي نتحدث عنها، سيرتبط حتماً بنظر العالم بالأردن والدولة الأردنية.. هنا «مأزق كمين كبير» بالمقابل يحتاج إلى أقصى طاقات الحذر حتى لا يصبح نضوج فكرة تمكين الفلسطينيين من دولة بين لاعبين كبار على حساب الأردن والأردنيين أو على حساب فلسطين والفلسطينيين، والمستوى من التحفز والانتباه مطلوب وطنياً في وحَول ضفتي نهر الأردن.
المقاربة هنا تحديداً أوضح بالنسبة للطريقة التي يفكر فيها المصري، فأي هندسة قادمة في الطريق جراء نضج مكونات الدولة ينبغي أن تأخذ باعتبارها مصالح الشعبين والدولتين غربي وشرقي نهر الأردن، وأيضاً مصالح الهويتين الوطنيتين، لكن هذا الكلام شاعري وعاطفي، والشيطان يكمن في التفاصيل، وطبعاً يتحدث المصري عن الشيطان الأمريكي الإسرائيلي.
وفي مسألة العلاقة بين حزمة المصالح الأساسية الأردنية وقرب نضوج فكرة المجتمع الدولي عن حق الفلسطينيين بدولة مستقلة، لا بد من نضوج مقابل على المستوى الأردني والفلسطيني يحذر التفاصيل الشيطانية ويتنبه لمسار الأمور، حيث سؤال محير، لاتزال الإجابة عليه ناقصة في ظل تراكم النضوج المشار إليه: الغامض حتى الآن هو كيف ستتعامل إسرائيل مع الثقل الديمغرافي الفلسطيني في عمقها وفي الضفة الغربية وفي قطاع غزة؟
والسؤال الأكثر إحراجاً والذي يحاول المصري تجنبه: كيف ستجري الدولة الأردنية العميقة حساباتها بخصوص أربعة ملايين فلسطيني في الأردن أغلبهم لاجئون وأردنيون بالواقع الدستوري والقانوني؟
تطرح «القدس العربي» هذا السؤال، ولا يريد المصري استباق الإجابة عليه، لكن أي إجابة عليه ينبغي أن لا تسبق الأحداث، ويرى بأن الفرصة مواتية للتحذير مجدداً من مطب التفاصيل الشيطانية هنا تحديداً.
الخلاصة التي سمعتها «القدس العربي» طوال أسبوعين في أوساط المخيمات والنخب السياسية، تؤشر على أن التعامل مع المسألة الديمغرافية بحسابات بوليسية أو أمنية فقط مشكلة عويصة، وقد ينتج عنها ثغرة لا تنسجم مع مصالح الأردن.. لذا، يقتضي التنويه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق