اراء و مقالاتمقالات وآراء

الجغرافيا «سلاح» أم «عبء»؟… «البراغماتي الأردني ينمو» بعد «إبراهيميات الخليج» والبحث عن «مقعد» على الطاولة وليس قربها

إطلالة على فرنسا وبقاء بالقرب من ملف المتوسط

 

 لماذا اختفت عن الشاشة تلك العبارة المثيرة التي تحدث فيها رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز عن «الدولة الواحدة» في فلسطين التاريخية.
لا أحد الآن خصوصاً يريد الغرق في محاولة تحصيل إجابة عن هذا السؤال الصغير. قالها الرزاز مرة واحدة فقط، وأثارت الجدل لخمسة أيام، ثم انتهت المسألة قبل أن تبدأ، وفي ميزان البوصلة الأردني الأعمق مؤشرات الاشتباك مع موجة ما يسمى باتفاقيات السلام الإبراهيمية التي بدأت في أبو ظبي والتحقت بها المنامة، وقد تستقر قريباً في مسقط والرياض.

إطلالة على فرنسا وبقاء بالقرب من ملف المتوسط

عملياً، لا أحد يريد أن يصدق بأن الحكومة الأردنية يمكنها أن تلعب بورقة الدولة الواحدة على طريقة الرزاز، فقد سبق للمسألة أن استعملت في زوايا ضيقة بدون إعلام وبعبارة منضبطة أكثر على المستوى المرجعي، وفي سياق التلويح بما سيصبح عليه الأمر في إسرائيل إذا سقط خيار الدولتين.
لكن حتى الآن لا يوجد رواية صلبة للحدث، حيث دفنت بسرعة تلك العبارة على أمل أن لا يلتقطها الشارع الأردني قبل غيره، وتصبح مدعاة لاتهام الحكومة بالمبالغة في البراغماتية، وهي بكل الأحوال مبالغة يتميز بها أحياناً رموز التيار المدني عندما يصبحون طرفاً أساسياً في السلطة والإدارة.

جغرافيا من الصعب إنكارها

مجسات عمان مستمرة بالمراقبة الحثيثة. والملك عبد الله الثاني في آخر تعبير علني له، أشار إلى أن علاقات بلاده في جميع الأطراف والدول الصديقة والشقيقة جيدة أو متميزة.
في الأثناء، أطلت المرجعية الأردنية الملكية على المطبخ الفرنسي، حيث صولات وجولات بالوكالة عن الأمريكيين للرئيس إيمانويل ماكرون بدأت مع انفجار مرفأ بيروت، وتزاحمت تحت عنوان الصراع التركي-اليوناني في المتوسط. تجتهد عمان للبقاء على الطاولة حتى عندما لا يتاح لها الجلوس على المقعد الرئيسي. ويمكن فهم حضور الأردن لقمة استشارية لها علاقة بالمتوسط والطاقة والغاز على هذا الاساس .
ويمكن فهم الحرص على مشاركة الفرنسيين والألمان ببعض الأفكار على هذا الأساس أيضاً، مع التركيز على عدم التطرق ولو تلميحاً إلى قصة انتقاص الدور الإقليمي الأردني بعد الطيران، والتفاهم المباشر بين تل أبيب وأبو ظبي والمنامة والقاهرة.
تلك اتفاقيات سلام لها ظروفها، على حد تعبير المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة. لكنها -كما فهمت «القدس العربي»- قد لا تعني إقامة سلام حقيقي على الأرض؛ لأن الجغرافيا هنا لصالح اللاعب الأردني وليس الإماراتي أو المصري أو البحريني، وهي جغرافيا من الصعب إنكارها أو تجاهلها، كما يؤكد وزير الداخلية الأسبق والقطب البرلماني الجنرال مازن القاضي، وهو يصر ملحاً على أن الاستقرار والسلام في المنطقة لا يعني شيئاً بدون الأردن.
هل يبالغ الأردنيون نخبوياً في التأشير على أهمية ورقة الجغرافيا السياسية؟
.. يبدو سؤالاً في غاية الأهمية، ويحتاج إلى إجابة استثنائية تبدأ مع الإقرار -كما يقدر السياسي الإسلامي مروان الفاعوري- بأزمة الأدوات في الإدارة الأردنية.
الاستثمار في ورقة الجغرافيا للاشتباك والمواجهة يحتاج إلى رموز وأدوات أكثر خبرة وعمقاً وقدرة على التفاوض وتحصيل المصالح من الوجوه التي يعرفها الأردنيون اليوم في مؤسساتهم.
وهي نفسها الوجوه التي لاحظ مستشار خبير تحدث خلف الستارة مع «القدس العربي»، بأنها تعطل، قصداً أحياناً وبدون قصد أحياناً أخرى، ماكينة فرق تفاهمات الظل التي كانت تفاوض خلف الستارة مع الإسرائيليين والأمريكيين والسعوديين والمصريين لصالح الدور الإقليمي الأردني بتجرد وبعيداً عن الأضواء، وتقدم وصفات تقديرية للموقف.
لا تعمل خلايا الظل تلك الآن. وفي الواقع، مع الإسرائيليين تحديداً، لم تعمل منذ أربعة أعوام، فكانت النتيجة الاعتماد أكثر على شخصيات ظل فلسطينية أو أمريكية.

قفزة اليمين الإسرائيلي

وكانت النتيجة أيضاً تمكن اليمين الإسرائيلي من القفز فوق الجغرافيا السياسية الأردنية باتجاه ناطحات السحاب في دبي وتلك الأبراج المتراكمة في المنامة.
الطاقم الدبلوماسي الأردني يبدو خالي الوفاض عندما يتعلق الأمر بالحوار المصلحي المرتبط بالأدوار.
والسفراء مع الوزراء لا يفعلون شيئاً، والاشتباك مرهق جداً مع التفاصيل، ومؤسسة القصر تبدو وحيدة في إطار الفعالية، والتحرك أحياناً يكون بالتوازي مع اختفاء طبقة المبعوثين والوسطاء وأطقم الظل، فيما تختفي أيضاً وبكل وضوح طبقة رجال الدولة من الذين يمتلكون مهارة التفاوض أصلاً ويستطيعون تحصل مكاسب أو تقليل خسائر.
اعترض يوماً رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز، من منطلق وطني نظامي، على محاولات بعض الأشخاص في المؤسسة السعودية تحديداً التعامل مع بلاده على أساس أنها جغرافيا عشائرية فقط، في واحدة من تجليات الحساسية مع المزاج السعودي.
لكن هذا الاعتراض يسجل في تاريخ التواصل، وإن كان يلفت النظر اليوم إلى الحاجة الملحة لوجود لاعبين خبراء واستثنائيين يعيدون إنتاج لعبة الجغرافيا بحيث تصبح سلاحاً في إدارة عملية سياسية دقيقة تتطلب اليوم، بصورة واضحة، طاقماً لديه القدرة على الفهم والاستنباط والتحليل.. ولاحقاً الاشتباك.
تفقد المؤسسة الأردنية وبصراحة، على رأي العديد من المراقبين، مكاسبها في الإقليم؛ لأن مستوى الاحتراف والمهنية عند الأدوات أقل اليوم من أي مرحلة سابقة.
وبالتالي، المعالجة والتصويب والاشتباك عناصر تتطلب تحديد استراتيجية جديدة، تبدأ من عند العودة للاستعانة مجدداً بأصحاب الخبرة المتمتعين بالقدرة بصرف النظر عن موقف المؤسسة منهم الآن.
ذلك يبدو صعباً حتى اللحظة، لكن حصوله نتج عنه تصريح الرزاز المثير بخصوص الدولة الواحدة. وبقاء المشهد النخبوي كما هو نتج عنه، بالمقابل، قبول بعض الأردنيين أحياناً بمقعد الصف الثاني على الطاولة وتراجع التأثير في المعطيات.
والأهم، نتج عنه ما لم يحصل منذ 60 عاماً في تاريخ المؤسسة الأردنية الخبيرة والعميقة، حيث طبخات تطهى بدون عمان، وحيث الجلوس على أي طاولة لها علاقة بملفات الإقليم يتطلب اليوم جهداً مضنياً وقفزات بين عواصم القرار ومزاحمات يمكن الاستغناء عنها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق