اراء و مقالات

متاهة «العشائر والاستثمار» في الأردن

رأس المال يريد أن يربح، وفي حالات الاسترخاء الوطني الأخلاقي، بعدما يراكم أرباحه يمكنه أن يرمي الفتات هنا أو هناك تحت عنوان القضايا الوطنية

راقبت باهتمام قصة النائب والمصنع في الأردن. لفتت نظري مسألتان في غاية الأهمية لا بد من التوقف بعمق على محطتيهما قبل أي استنتاج من أي نوع.
المسألة الأولى لها علاقة بتفحص أدلة وقرائن ملموسة على وجود حاضنة اجتماعية ومناطقية لا بل عشائرية أيضا، لا تقف عند حدود تفهم سلوك نائب المنتخب عمليا، عندما يتعلق بأي مشادة مع مستثمرين في منطقته، بل تدعم مثل هذا الاتجاه وتسنده وقد تعتبره في بعض الجزئيات أقل صخبا مما ينبغي، وينطوي على تقصير بسبب رسوخ الثقافة التي تعتقد في المجتمع بأن رجال الأعمال والمال لا يقومون بواجبهم.
ليس سرا هنا وجود نظرة اجتماعية وسط شرائح متعددة تلحق أصحاب المال بركب المحتالين والنصابين، وأحيانا اللصوص والفاسدين الذين شاركوا نخبة من رجال السلطة والسياسيين في دعم وإسناد نهب الشعب وزيادة رقعة الفقراء.
وفي حال الرغبة في تقديم اتهام أقل وطأة ساهم هؤلاء بنظرة أوساط في المجتمع لا يمكن الاستهانة بها، لا بل المطلوب وطنيا حوارها وفهم خلفية منطقها بالتأسيس لنظرة فوقية للمجتمع، وأهل المناطق التي يقيمون فيها استثماراتهم لا تحترم الناس ولا تقدر احتياجاتهم ولا تقوم بالنتيجة بواجباتها المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية.
ما الذي يدفع شرائح من المواطنين لكل هذا الارتياب بنخبة المستثمرين ورموز القطاع الخاص؟
سؤال في غاية الصعوبة والأهمية، وأنا شخصيا متأكد بأن من يملكون المال من الأردنيين وراكموا أرباحهم على هذا الأساس طوال عقود، يفتقدون للجرأة على تقديم إجابة على مثل هذا السؤال.
لا أحد يستطيع حتى أن يفكر بالإساءة لسمعة العشائر أو ثقافتها، ذلك خط أحمر لدى الجميع. لكن وجود حاضنة اجتماعية تدعم كل أنماط الارتياب من المستثمرين محطة مقلقة وتحتاج إلى قراءة واعية وحصيفة بعيدة عن التشنج والاتهام المعلب، مع أن نمو الاحساس وسط بعض أبناء المناطق والعشائر بهذا الارتياب يصل في بعض الحالات إلى تشنجات أشبه بجدع الأنف، بمعنى المجازفة بالتضحية بوجود استثمارات جديدة، أو حتى برحيل استثمارات كانت قائمة لأن رأس المال بالإضافة إلى جشعه المفترض أن لا يدخل المجازفات وبإمكانه ببساطة الانسحاب، عندما تضايقه أي عشيرة أو أي منطقة ولأي سبب.

رأس المال يريد أن يربح، وفي حالات الاسترخاء الوطني الأخلاقي، بعدما يراكم أرباحه يمكنه أن يرمي الفتات هنا أو هناك تحت عنوان القضايا الوطنية

تبدو القصة أقرب إلى متتالية هندسية حلزونية ومتاهة لا أحد يعرف من المخطئ والمصيب فيها، فالمسالة قد تتعدى وجود حاضنة في البيئة الاجتماعية تدعم الضغط على المصانع والشركات، خصوصا في أوقات الحاجة والجوع والفايروس باتجاه التشكيك بدوافع ونوازع ووطنية رأس المال، وهو تشكيك لا يفيد أحدا لأن رأس المال باختصار وببساطة يريد أن يربح ولا يريد من أي جهة التغزل بوطنيته، والمسألة الوطنية لا تعنيه، ولا ينبغي أن تعنيه عندما يتعلق الأمر بحسابات الربح والخسارة.
ومن الخطأ عند الجمهور الاعتقاد بأنه يتوجب أن تعنيه، والعكس أيضا غير مفيد، فبدلا من اتهام رأس المال أو حرمانه من تلك الوطنية، الأفضل التفاهم معه والتحاور في المشكلات واحتياجات المناطق وأهلها. والأفضل طبعا ودوما التأسيس لما اقترحته على رئيس مجلس النواب وهو وضع بروتوكول يحدد المسؤولية الاجتماعية في استثمارات المناطق، لأن العشائر بكل حال وفي غالبية المواقع، احتوت الاستثمارات ووفرت لها الحماية وتعاونت معها.
المسألة الثانية على شكل كمين كبير، فمراقبة منصات التواصل الاجتماعي ودراسة تعليقات الناس، لا تقف عند حدود وجود أنصار كثر لفكرة الضغط على المستثمرين، بل تصل إلى منحنيات متعرجة مزيفة أساسها فكرة أن التحرش في بعض المناطق عشائري بالاستثمارات، وأن سبب هذا التحرش هو الأصل والمنبت وانتماء تلك الاستثمارات لمكون اجتماعي محدد دون غيره.
لا يمكنني القول اطلاقا بأن المصنع أو رأس المال أو الاستثمار يهاجم في بعض المناطق ويمارس عليه الاستقواء لأنه يمثل الأردنيين من أصل فلسطيني أو من أصل قوقازي، فرأس المال أصلا لا يهتم لا بفلسطين ولا بالأردن ولا بجماعة مطاردة الإمبريالية عبر الخيول.
رأس المال يريد أن يربح، وفي حالات الاسترخاء الوطني الأخلاقي، بعدما يراكم أرباحه يمكنه أن يرمي الفتات هنا أو هناك تحت عنوان القضايا الوطنية. بالمقابل الخشونة مع رأس المال واتهامه ليست حلا، وحال حصول «خلاف» أو تجاوز لا علاقة للعشائر بالأمر.
لا يمكن الموافقة طبعا على فكرة اقتحام نائب منتخب لمصنع ثم مطالبته موظفا صغيرا بالوثائق وكشف الموظفين.
ولا يمكن الموافقة على مجازفة مستثمر ما، مهما بلغت خدماته الجليلة للاقتصاد، على الاعتقاد بأنه يستطيع أن يتصرف في أي منطقة أو وسط أي عشيرة دون احترام أوضاع الناس واحتياجاتهم ودون تقدير ما تعنيه عبارة المسؤولية الاجتماعية.
باختصار رأس المال حتى عندما يعتدى عليه لا يمثل مكونا دون آخر. والاعتداء عندما يحصل بالتأكيد ليس عشائريا، فلتبرد الرؤوس قليلا ونبحث عن معالجة أخلاقية بدون تمثيل لمنع الاحتكاك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يا صديقي بسام ما حدث مع النائب هي حادثة مفتعلة القصد من ورائها هو البحث عن حصة للفاسدين في مشاريع صفقة القرن الإقتصادية و الإقتصادية لمشروع شمعون بيريز الشرق الأوسط الجديد و هذه الحصة هم يريدونها أن تأتي عن طريق العشائر و إلا لماذا يتم الترويج لهذه الحادثة في الصحافة الأمريكية هم يريدون أن يعودو بالتاريخ عندما شرعت الدولة العثمانية ببناء سكة حديد الحجاز التي قطعت أرزاق القبائل و العشائر في بادية الأردن التي كانت تعتاش على رحلة قوافل الحج الشامي سواء من عوائد حراستها من قطاع الطرق و المطاريد أو بالتجارة و عند إنشاء السكة تم تدميرها خمس مرات حتى إنصاعت الدولة العثمانية لمطالب القبائل و تم تعويضها سنويا يتم إعطاء كل شيخ قبيلة ألف ليرة عصملية ذهبية لكي يوزعها على أبناء قبيلته و الآن الفاسدين في الأردن يعيدون هذه التجربة لمصلحتهم الشخصية و مصالح أبنائهم وليس لمصلحة الشعب الأردني المتهالك من الفقر و الجوع

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: