اراء و مقالات

مجلس ملك الأردن «إلى الأمام» وتسارع في «براغماتية بايدن»: تكفين ونعي «قانون الانتخاب» دون «تغسيل»

يبدو انتقالاً براغماتياً فعالاً ويهدف إلى مواجهة الواقع الموضوعي بالنسبة لشخصية بارزة في الأردن مثل الدكتور رجائي المعشر، الرجل الثالث في مجلس الأعيان. صاحب نظرية «الحقوق المكتسبة» الشهيرة، عندما يتعلق الأمر بتقسيمات الدوائر الانتخابية، نفسه يعبر بجملة تحفظ في نقاشات ومجالسات، خاصة عن استغرابه الشديد من فكرة وجود تمثيل في مجلس النواب الأردني لمكون اجتماعي عريض تحديداً قوامه 13 مقعداً من أصل 130.
قد يكون الرقم أقل أو أكثر قليلاً من الحقيقة، لكنه يعكس مستوى المفاجأة بعد ترتيبات الانتخابات الأردنية الأخيرة عند شخصية بارزة من الحرس القديم وطبقة رجال الدولة، مثل المعشر، في مساحة ما يسميه بعض الناشطين بالإقصاء المكوناتي.
المعشر بدأ يعبر عن الاستياء من نتائج الانتخابات، التي وصفها مبكراً الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة بأنها خضعت للهندسة، قبل أن يعلن وزير التنمية السياسية والبرلمانية موسى المعايطة فجأة أيضاً وبعد أسابيع قليلة من إجراء الانتخابات عن ما يمكن اعتباره أول أسفين في جسد قانون الانتخاب الحالي الذي أجريت بموجبه تلك الانتخابات المهندسة وأفرز مجلس النواب الجديد.
حجم تخلي بعض رموز الدولة الأردنية، وعلى نحو مباغت، عن قانون الانتخاب الحالي مثير جداً للسؤال والاستفسار، حيث صدر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان تقرير مفصل يدفن عملياً وموضوعياً في المحصلة وعند الدلالات الأعمق أي إطالة محتملة في القانون الحالي. وحيث تخرج من الوزير المعايطة على هامش نقاش هادئ بحضور «القدس العربي» عبارة أقرب إلى صيغة تكفين لذلك القانون، ولها علاقة بالتأشير على أنه اليوم قانون جرب مرتين على الأقل ولم يحقق أهدافه.
كانت الرسالة الأعمق وقبل جميع النخب على لسان رئيس مجلس الأعيان وأحد أقرب الشخصيات لمرجع القرار فيصل الفايز، حيث جملة يمكن الاستنتاج منها بأن الغطاء السياسي توفر لـ «نعي» قانون الانتخاب الحالي مع جملة أخرى شقيقة تثير الاستفسار عملياً عن إفرازات القانون في مجلس النواب الشقيق.
معنى ذلك –سياسياً- مباشر، وهو أن البراغماتية الفعالة وسط نخب الدولة الأردنية تقرأ المرحلة جيداً، وقررت «نعي وتكفين» قانون الانتخاب حتى دون «تغسيله» على حد تعبير السياسي الخبير مروان فاعوري. يتحمس كبار الأعيان قبل وأكثر من غيرهم، وعلى رأس هؤلاء المخضرم سمير الرفاعي، لإنتاج حالة نقاش وحوار وعصف ذهني على مستوى مبادرة الملك عبد الله الثاني العلنية في مسألة مراجعة تشريعات الإصـلاح السـياسي.
بوضوح، يتحرك مجلس الملك إلى الأمام متفائلاً في هذا السياق، لا بل تتحول لجانه إلى خلايا عصف وتفكير منتجة، فيما يحتار مجلس النواب الجديد، ولا تظهر عنه أو منه أي استجابة لا تكتيكية، ولا عميقة في مسار الإصلاح السياسي، وعلى جبهة الحكومة صمت أقرب للارتباك، ولا مسودات ولا أفكار جاهزة تصلح للتقدم كرؤيا لنظام انتخابي جديد حضاري ومنصف ومتطور.
في الأثناء تتحول الانتخابات المهندسة التي جرت قبل أسابيع فقط إلى «طفل صغير أو مراهق» يرغب الأهل فجأة بالتنصل منه وعيونهم على التطلع إلى ولادة مشهد انتخابي ينقذ سمعة الانتخابات أصلاً، وهنا يلاحظ خبير تشريعي وبيروقراطي من وزن النائب السابق سامح المجالي، وأمام «القدس العربي» بأن محطة أساسية ينبغي التوقف عندها هي قراءة البيانات الرقمية.
في مقايسة المجالي الخبيرة، شارك في الانتخابات الأخيرة 29 % فقط من الذين يحق لهم الانتخاب من الأردنيين، وفاز بـ 130 مقعداً ما نسبته 3 % فقط من ممثلي هؤلاء، والسؤال الذي ينبغي أن يقرأ وطنياً يصبح كالتالي: أين سيذهب أي احتقان من أي صنف عند الغالبية الساحقة من المواطنين غير الممثلة؟
وهو يرى أن تلك المحطة أهم وأعمق حتى من الغرق في مقولات الإقصاء أو شعور المكونات وجدله؛ لأن العين اليوم ينبغي أن تتطلع للمستقبل. لكن.. أي مستقبل للخريطة الانتخابية الآن مادامت النسخة الأخيرة من الانتخابات سحبت كل رصيدها الشعبي بمخزون المصداقية؟ يسأل ناشطون ومهتمون عن مقولة: «عزيزي المشترك رصيدك لا يكفي لإجراء هذه المكالمة « .
نقلت «القدس العربي» هذه المقولة لوزير بارز في الحكومة، فأقر بأن المشكلة الأعمق قد لا تكون بقانون الانتخاب الجديد أو القديم ولا حتى بمنظومة النزاهة، بل في إقناع المواطنين حقاً وفعلاً مستقبلاً بالمشاركة في الانتخابات المقبلة.
باستثناء لهجة الحكومة المعتدلة نسبياً، حالة التبرؤ من قانون الانتخاب الحالي توسعت على نحو ملحوظ بين النخب المحسوبة على الدولة، وبدا للجميع أن المشكلة ليست في عدد المقاعد التمثيلية لكل مكون فقط، لكن المشكلة الأكبر في نوعية القيادات التشريعية التي تفرزها تلك القوانين المعلبة أو التداخلات في العمليات.
سمعت «القدس العربي» هنا من شخصية بارزة جداً مفردتين.. «لقد تعبنا فعلاً» وفي الشرح والتفصيل تأشير جديد على أزمة الأدوات وتكديس المتاجرة بنخب في الوزارة والعينية والبرلمان والوظائف العليا، وحتى في الشركات ومجالس الإدارة والأمناء من الصنف الذي يسحب من رصيد الدولة والنظام ولا يضيف له شيئاً، بل بدأ ينتج الاحتقان في الأطراف والمحافظات.
هل للأرشيف السياسي والبيروقراطي الأردني الحساس الموجود في أدراج مؤسسات العمق الأمريكية الآن وبأحضان شخصيات أمريكية تقول إنها تعرف الأردن وتحبه وتريد أن تساعده- دور ما في موجة التبرؤ المباغتة لنخب عمان من نظام انتخابات 2020؟
سؤال حساس لا يجيب عليه إلا التخلص، ولمرة واحدة وأخيرة، من أنماط الفهلوة النخبوية التي تجد طريقة ما دوماً لتضليل القيادة والناس، ولتقليص سقف المبادرات الإصلاحية مع سلسلة لا تنتهي من الذرائع التي يعرفها الجميع الآن في واشنطن وفي عمان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق