اراء و مقالاتمقالات وآراء

محاولة لفهم «اللغز الأردني»: لماذا تصر الدولة على إجهاض العمل الحزبي وضرب النقابي؟

تساؤلات بعد تجاهل حزب زمزم ومنع مؤتمر «الوسط الإسلامي»

 

 

 طبعاً لا يمكن ببساطة معرفة كواليس ما حصل مع حزب الوسط الإسلامي في الأردن على خلفية مراوحته ما بين موقفين لهما علاقة بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة أو المشاركة فيها. الحزب تصدر الأنباء مؤخراً ودون توقعات منه أو تقصد.
عبر منبر يعود لحزب جبهة العمل الإسلامي تحديداً، أكبر أحزاب المعارضة، وصلت تلك الرسالة إلى مكتب «القدس العربي»، والتي تقول بأن وزارة الداخلية تدخلت ومنعت انعقاد المؤتمر العام الجديد السنوي لحزب الوسط الإسلامي.
لاحقاً، غضبت قيادة الحزب المتهم أصلاً بالقرب الشديد من دوائر القرار في صفوف التيار الإسلامي، الذي حظي مرة بكتلة الأغلبية البرلمانية في انتخابات «مشكوك فيها» قاطعتها الحركة الإسلامية الأم. وبعد الغضب، قرر الحزب الرد على منع مؤتمره السنوي بإعلان خطوة تصعيدية من وزن مقاطعة الانتخابات.
على الطريقة السياسية الأردنية، تدخل «الوسطاء» وعاد الحزب لإعلان تراجعه عن مقاطعة الانتخابات. دون هذه التطورات الإخبارية، نسي الرأي العام الأردني عموماً وجود حالة حزبية باسم الوسط الإسلامي في الأعوام الأخيرة. وقبل ذلك، تحدث أمام «القدس العربي» وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر، عن إصرار رسمي على منع انعقاد مؤتمر عام لحزب التحالف المدني، وهو حزب آخر مرخص في جبهة فكرية وهوية سياسية بعيدة عن الأخوان المسلمين، مثل حزب الوسط تماماً.
بمعنى آخر، التحفظ على انعقاد مؤتمرات سنوية تؤطر العمل الحزبي يشمل اتجاهات حزبية في اليمين والوسط، وبصورة يستفيد منها حصرياً حزب المعارضة الأكبر والأعرض التابع لحركة الأخوان المسلمين، حيث لا تتجرأ الحكومة على منع نشاطات مؤسساته الداخلية، ولا يحتاج هو أصلاً، بحكم الخبرة والعراقة، إلى مؤتمرات سنوية كلاسيكية.
قبل عقد من السنوات، أحبطت أيضاً تجربة حزب المؤتمر الوطني الوسطي في مشروع استهدف إبعاد مؤسس التجربة عبد الهادي المجالي فقط عن المشهد، بحيث أنهيت تجربة حزبية عريضة لهدف تكتيكي صغير فقط.
ومن المرجح أن حزب الجبهة الموحدة، وهو أيضاً حزب وسطي أقرب إلى تيار الموالاة وليس المعارضة، دخل في معاناة أمنية وبيروقراطية مريرة لأسباب تتعلق بأشخاص فيه، وتم إجهاض مشروعه؛ لأن أصابع الحكومة والسلطة تعبث بكل «الفلاتر»، وهي تعيق العمل الحزبي العميق، على حد تعبير الناشط الإسلامي المعروف المهندس مروان الفاعوري. الفاعوري، مثل غيره من الخبراء المراقبين محلياً، لا يعرف الحكمة من وراء منهجية ترتاب بكل أنماط العمل الحزبي وتسعى لقمعها.

الأغرب أن شمولية «قمع العمل الحزبي» تلتهم مؤسسات حزبية ضد الإخوان المسلمين، سواء في الاتجاهات المدنية الليبرالية أو الإسلامية المنشقة عن الإخوان المسلمين، مثل حزب زمزم الذي لم يعد أحد يذكره أيضاً بعد «تسمين» منهجي لسلسلة انشقاقات داخل الحركة الإخوانية لم تكن منتجة.
هنا حصرياً «يتم إحباط الجميع» في تيارات الوسط واليمين واليسار وحتى المولاة باسم التكتل الوسطي وباسم الاتجاهات المدنية. وفي النتيجة، يصمد في الساحة -بكل الأحوال- حزب عريق وضخم ومؤثر ومعارض بتوقيع الإخوان المسلمين أصبح وبقي العنوان الأعرض للتجربة الحزبية المتماسكة والصلبة. دعمت العديد من التجارب الحزبية خصوصاً في مجالات العمل المدني والوسطي الإسلامي، نكاية بالإخوان المسلمين.
ثم قصفت أعمار تلك التجارب واستفاد حصرياً الإخوان المسلمون في متوالية هندسية «قمعية» لا تحصل إلا في الأردن، ولا يمكن رصدها إلا في الحالة الداخلية، بحيث أصبح لغز ما يجري هنا محيراً، والسؤال الاستنكاري يجول بين جميع الأردنيين… لماذا تفعل السلطات ذلك وعلى أي أساس؟
الإجابة عن السؤال الأخير تحتاج إلى شبه قناعة مسبقة بأن «تنميط» الموالاة والمعارضة قد يكون الهدف في النهاية، بمعنى أن المعارض في الحالة الأردنية ينبغي أن يكون دوماً من الإخوان المسلمين، والحزب الموالي يتحول إلى «خطر داهم» بكل الأحوال.
تلك مقاربة من أعجب ألغاز الإيقاع السياسي الأردني، يصر نقيب المهندسين أحمد الزعبي، وهو يتحدث لـ»القدس العربي»، على تنميطها من جهته، باعتبارها «عبثية ولا معنى لها»، إضافة إلى أنه لا أحد يفهمها ويثق في نتائجها.
في مقاربة الزعبي، وانطلاقاً من موقعه في المؤسسات النقابية باعتبارها جسم الخبرة في العمل العام، لم يعد مفهوماً الإصرار الرسمي بين الحين والآخر على توجيه «ضربات» مرسومة لمضمون العمل الحزبي وللعمل النقابي بدلاً من الاستثمار في المؤسسات المدنية لصالح الاستقرار العام.
الزعبي، وفي أكثر من لقاء حضرته «القدس العربي»، كان يستفسر عن البديل في ذهن القرار واللامنطق في مسألة إضعاف البنية الحزبية والنقابية وبصيغة مقيتة سياسياً أحياناً مما يظهر الجميع للاستفسار عن السبب والمسوغات، والأهم عن المستفيد من مسلسل الإقصاء في المحصلة، وعلى أساس أن الأردن «أقوى» ليس فقط بالدولة والمؤسسات والحكومة، ولكن أيضاً بأحزابه ونقاباته وجسمه المدني.
البديل اليتيم عن العمل الحزبي الشرعي والمنظم هو الحراك والفوضى وتقدم التيار الإسلامي للصفوف وظهور شرائح تميل للتنمر والاستعراض والانتهازية… لا أحد يعلم في الحالة النخبوية الأردنية بعد ما إذا كان المشهد الختامي هو حصرياً المقصود.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق