اراء و مقالات

مستجدات أردنية: «تطعيم» و«رش نكهات» والإصغاء لـ«ضحايا الهندسة» والقصر في «التحريك»

عمان – «القدس العربي» : صحيح أن لمسات مدير مكتب ملك الأردن، الدكتور جعفر حسان، على بعض الحوارات واللقاءات يمكن اشتمامها بين أروقة الساسة والمثقفين، لكن صحيح بالمقابل أن «تطعيم» المجموعات التي تلتقي القصر الملكي أو تتحاور في ظله بأصحاب رأي مستقل هنا أو بضحايا «هندسة الانتخابات» هناك لا يمكنه – ونقصد التطعيم- أن يكون بديلاً عن حوار سياسي وطني أعمق في التفاصيل.
تحت مظلة الديناميكي حسان، نُظمت حوارات بنكهة مختلفة مؤخراً، مما يؤشر على تحريك ما على الأقل في الطاقم الاستشاري العامل مع مؤسسات الديوان الملكي، وعلى أن شيئاً ما يتغير أو يحاول القول بأنه يتغير.
بعد قطيعة وأحياناً استهداف منظم من عمق الدولة، راقب المواطنون الأردنيون وجود بعض الأسماء ذات المصداقية والثقل في تلك الحوارات التي ينتقيها بشدة طاقم الدكتور حسان، في إطار مصارحات منهجية راشدة يمكن القول إنها بدأت تقفز إلى الواجهة.
بعد التركيز البيروقراطي على إخراجها من معركة الانتخابات الأخيرة المثيرة للجدل، ظهر اسم الإسلامية القوية برلمانياً، الدكتورة ديمة طهبوب، ضمن فعاليات الحوار الوطني بعدما استهدفت هذه السيدة، التي حظيت بإجماع وتوافق في تجربتها البرلمانية الأولى.
طهبوب كانت قد أعلنت للتو رفضها لأي محاولة تؤدي إلى ليّ ذراع الدولة والنظام تحت عناوين التظلم. وعندما زارت مكتب «القدس العربي» بعد الانتخابات المهندسة إياها، ناقشت في الخسارات والمكاسب التي تعود إلى الوطن أو عليه، عندما يتعلق الأمر بتقاليد العبث بالانتخابات.
الإسلامية ديمة طهبوب، واليسارية عبله أبو علبة، في حوار مع القصر الملكي.. هذا نبأ إيجابي، لكن لا يمكن تسويقه كخيار بديل عن ضرورة إقامة حوار حقيقي مع الحركة الإسلامية نفسها ومؤسساتها رغم أن ضجر ويأس الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي -وهو أكبر أحزاب المعارضة- الشيخ مراد العضايلة، دفعه أمام «القدس العربي» للقول بعدم الحاجة إلى حوار الآن، وبأن الدولة عليها الآن أن تصلح نفسها؛ لأن حاجتها ملحة للإصلاح قبل الآخرين.
طبعاً، لا أحد يعلم ما إذا كان وجود فاعلة وناشطة تحظى بالتقدير العام والوطني من وزن الدكتورة طهبوب قد ينسحب على تخصيص مساحة معقولة لنماذجها في العمل السياسي والوطني في عمق لجنة ينتظر الجميع تشكيلها تحت عنوان وصفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري.
مناورات ومبادرات طاقم الديوان تتحرك باتجاهات يمكن دعمها، لكنها ما زالت قاصرة عن الترتيب في الملفات الأساسية، وإن كان ظهور أسماء أخرى قادرة على التحدث بصراحة مع القيادة وتسمية الأشياء، كما نقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي، والوزير الأسبق محمد أبو رمان، وحتى الصحفي نبيل غيشان، يعدّ من الخطوات التي توحي بالتنويع على الأقل في مستويات تمكين المؤسسة المرجعية من الاستماع لآراء مختلفة أو متباينة مع ثقافة القطيع.
النقيب سمارة الزعبي كان قد سأل مرات عدة أمام «القدس العربي» عن عدم إمكانية وصوله إلى أي استنتاج منطقي يفهم بموجبه تلك الأسباب العبقرية الكامنة وراء استهداف وإقصاء وأحياناً ضرب مؤسسات العمل النقابي وبدون حكمة أو رشد أو حتى سبب.
أغلب التقدير أن وجود الزعبي وزميله الصريح والإسلامي أيضاً نقيب المهندسين الزراعيين عبد الهادي الفلاحات، هو محاولة للإصغاء، لكنها ما زالت على مقدار البرنامج الذي يقترحه الدكتور حسان قبل الانقباض على الملفات وبصورة تدفع طاقمه للاستعانة بمخرجات مثل هذه الحوارات لتبديد سطوة الحكومة.
واضح في المسافات القريبة من الطاقم الذي يدير الأمور في المكاتب الملكية أن الرهان تقلص على مناورات ومناولات ومبادرات كل من مجلسي الوزراء والنواب.
تلك، في رأي كثيرين، محاولات جيدة؛ فالانفتاح خلف الحوار مع المجموعات شمل مقابلات خاصة ملكياً لبعض الشخصيات التي صنفت في مستويات الخصومة أو أعداء الدولة في الماضي القريب. وتلك مجدداً خطوات ذكية إلى حد نسبي، لكنها تعكس الرغبة في الاستثمار ببعض النكهات وتقنيات تطعيم الحوارات بشخصيات من خارج العلبة الكلاسيكية.
وبناء عليه، تبقى قاصرة إلى حد معقول جداً عن الاشتباك المباشر مع ما هو ضروري مرحلياً ويحتاج إلى منسوب أكبر من النقاش والحوار الصريح.
أسلوب التطعيم بالنكهات يتم الآن بلا ضمانات لتغيير وإصلاح حقيقيين. وهو نوع من التلوين السياسي الحميد، لكنه ليس بديلاً عن صفقة إصلاح حقيقية ولا عن غطاء سياسي يغلق مرحلة من التشدد والعسف الديمقراطي ويفتح أخرى، فدليل النقيب الزعبي على الجدية قبل الحوار كان وقف النزيف الذي حمل اسم نقابة المعلمين والسماح لمجالس النقابات المهنية بإجراء انتخاباتها المعطلة دون مبرر خلافاً لوقف التدخلات أمنية الطابع في العمل النقابي.
المقصود بالتلميح أن الالتقاء بشخصيات مستقلة أو تغرد خارج السرب الرسمي ينبغي ألا يتحول إلى هدف بحد ذاته، وأن لا يصبح بديلاً عن حوار حقيقي صريح ومفتوح مع قوى الشارع الأساسية، وعلى رأسها الحركة الإسلامية. وثمة قرارات لا تحتاج إلى حوار، يمكن اتخاذها فوراً وتوحي بالاستدراك وباستعادة قدر من المرونة الإصلاحية.
وأغلب التقدير أن من بينها وأبرزها التراجع الفوري، وبقرار سياسي، عن اتجاهات تفكيك بنية المؤسسات النقابية، وحسم الخلاف مع الإسلاميين ونقابة المعلمين، وتطعيم دوائر القرار بالإصلاحيين وأصحاب الرأي المستقل بدلاً من رشهم كنكهات هنا أو هناك، كما اقترح علناً الباحث الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة. وبالتالي، ولإضفاء قدر من المصداقية على التحريك الذي يديره حسان اليوم، يمكن فوراً وبغطاء سياسي ومرجعي إصدار قرارات تحاول استعادة النخبة المعنية بالحوار والتحليق بصفقة إصلاحية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق