اراء و مقالات

مفارقة الاحتجاج على «تعديلات الدستور» الأردني: ما الذي يزعج أبناء العشائر ويقلقهم؟

التحدث «معهم» بدلاً من «عنهم»؟

عمان – «القدس العربي» : عنصران سياسيان لا يمكن إسقاطهما من أي جردة حساب عندما يتعلق الأمر بمحاولة تفكيك وتحليل، لا بل قراءة النص الذي تم تداوله على نطاق واسع في الحالة الأردنية تحت عنوان تحركات ائتلاف أبناء العشائر الأردنية.
العنصر الأول يتمثل في الإعلان لأول مرة عن لجنة تمثل ائتلاف أبناء العشائر الأردنية خارج صياغة القوى السياسية، وحتى الحراكية المألوفة في الماضي القريب، وخارج بقية السياقات؛ بمعنى أنه لا يوجد قبل صدور هذا البيان ما يمكن أن يوحي بأن تلك اللجنة موجودة أصلاً.

السؤال المركزي

وبصرف النظر عن جدية وجود لجنة أو حتى حراك لأبناء العشائر تحت عناوين سياسية مثل التعديلات الدستورية، هذه المرة يمكن القول إن افتراض بعض النشطاء بأنهم يستطيعون العمل في محور المجتمع وشرائح العشائر مسألة ينبغي التوقف عندها كثيراً، وليس على أساس التجاهل الرسمي.

التحدث «معهم» بدلاً من «عنهم»؟

ذلك طبعاً قبل الانتقال لخط الإنتاج الثاني والعنصر الثاني المفاجئ في المسألة، فالبيان الذي يزعم بأنه يمثل ائتلاف العشائر الأردنية مكتوب بلغة شاعرية هذه المرة، وفيها الكثير من دلالات الجغرافيا، ويخاطب تماماً كل مكونات العشائر الأردنية شرقي وغربي نهر الأردن.
تلك من المرات النادرة التي يتوجه فيها خطاب من هذا النوع، الأمر الذي يعني أيضاً الكثير مما يستوجب التأمل والحفر عميقاً تحت أنقاض الذاكرة السياسية على سطح الأحداث الآن، لأن الحاجة ملحة، برأي كثير من المراقبين، لتحديد المسار الثاني في الإجابة على السؤال المركزي: ما الذي يغضب الشارع الأردني عموماً الآن، وبصورة خاصة بعد تعديلات دستورية، وعملياً غالبية المعترضين عليها في الشارع على الأقل لم تقرأها، وبالتالي لا تخضع لنقاشات مستوجبة عندما يتعلق الأمر بنص دستوري.
مجدداً، يؤشر عضو البرلمان خليل عطية، في نقاش مع «القدس العربي»، على قناعته بأن التعامل بضدية مع التعديلات الدستورية ومخرجات وثيقة تحديث منظومة الدولة السياسية الجديدة، مؤسس على حالة فيها مفارقة تتكرر حيث لا تناقش النصوص ولا ينتبه المعترضون والمحتجون لكثير من التعديلات والتغييرات، وحيث احتجاج واعتراض فقط، وأحياناً –للأسف- دون قراءة تلك النصوص بعمق أو بما تستحقه من عمق.
لكن مثل تلك الملاحظة لا تعفي السلطات الحكومية تحديداً ولا الشخصيات المؤثرة في لعبة البرلمان ومجلس النواب من المسؤولية عن ضرورة الاسترسال في الشرح، ولا تعفي جميع الأطراف من تحصيل إجابة على السؤال الذي تتوقف عنده صالونات النخب السياسية وبقوة هذه الأيام وبعنوان: ما الذي أغضب أبناء العشائر الأردنية بصورة خاصة حتى ينادى الكثير منهم لعقد اجتماعات مضادة للتعديلات الدستورية الأخيرة، وحتى دون مناقشتها؟
سؤال في حجم المرحلة، لكنه أيضاً -وهذا الأهم- بحجم طريقة العمل على تفصيل وتقميش ثم عرض وتسويق وترويج وإقرار مخرجات وثيقة المنظومة السياسية، حيث قصور تقر به اليوم جميع المستويات التنفيذية.
بدأت مبكراً ملامح هذا السؤال تطرح على طاولة الأردنيين في اللحظة التي بدأت تظهر فيها تلك التقارير الإعلامية الخارجية، التي تتحدث عن احتجاجات ومشاعر انزعاج ومشاعر غضب أحياناً عند البنية الاجتماعية الأردنية الأساسية التي توالي النظام، لا بل تشكل الطبقة الأولى في الدولة الأردنية.
الأهم أن في أدبيات الاعتراض بالمساحة العشائرية حرصاً شديداً على قيادة القصر الملكي للتغيير المنشود ومخاطبات للمؤسسة بسقف متمسك بالولاء. هناك أسباب كثيرة لغضب العشائر، بعضها اقتصادي، والآخر اجتماعي، وبعضها متعلق بتجاوز الحكومات المتعاقبة لأسئلة الفساد المعلقة منذ أيام الربيع العربي. لكن في كل حال، يستوجب الأمر في هذه المرحلة الوقوف ملياً عند سؤال الغاضبين في الحالة الأردنية، بعدما وصل الغضب لا بل الاحتقان أو كظم الغيظ، كما يسميه رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، إلى مستويات لم يكن أحد في المجتمع يتوقعها.
مبكراً، وأمام بعض الأطراف، كان المصري يحذر من ازدياد عدد كاظمي الغيظ، ومن ضرورة مخاطبة الأردنيين على أساس احتواء الغضب قدر الإمكان.

حراكات «عشائرية»

بدأت حراكات ذات صبغة عشائرية باجتماع أثار اللغط باسم قبيلة بني حسن، أعقبه صدور بيان لعضو مجلس الأعيان جمال الخريشة، يتبرأ فيه من شرعية هذا الاجتماع في تمثيل القبيلة، ولاحقاً بيان للرد من عضو مجلس النواب محمد عناد الفايز، الذي يعتبر أحد رعاة هذا الاجتماع، وفي وقت لاحق تنديد شديد بانتحال صفة شرعية تمثيل قبيلة بني صخر، على اعتبار أنها ضد التعديلات الدستورية، من قبل زعيم القبيلة الأبرز ورئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، الذي لا يمكنه الموافقة على التحدث باسم أبناء القبيلة بهذا الشكل. ولاحقاً، يتدحرج المشهد، ونشطاء من قبيلة بني حسن يقيمون فعالية على أنقاض جثمان أطلق عليه اسم «الدستور الأردني».
الجميع في الطبقة التي تدير الأمور يشعر بأن كل الضمانات التي قدمتها اللجنة القانونية في مجلس النواب للجمهور بخصوص صياغات عبارات التعديلات الدستورية المثيرة للقلق تخفق في إقناع الأردنيين أو عموم الأردنيين بعدم وجود ما يثير قلقهم فعلاً، فالبند المتعلق بالأردنيات تم تحصين تشريعات الجنسية والأحوال المدنية من أي تأثير ينتج عنه مسبقاً.
ومجلس النواب حرص على مخاطبة الأردنيين في الغرائز وفي الأصول السياسية أيضاً تحت عنوان عدم وجود ما يقلقهم، ورغم ذلك لا أحد يعلم ما الذي تثيره من مخاوف إضافة مفردة الأردنيات في ذهن القوى الوطنية والبنية العشائرية الأساسية.
ولا أحد يعلم لماذا تشهد بعض المناطق والمحافظات، لا بل المستويات العشائرية، حراكاً مضاداً لتعديلات دستورية كان في قوامها تأسيس مجلس الأمن القومي الجديد.
القصور كبير في شرح التفاصيل ووجهات النظر، لكن القصور أكبر حتى عند دوائر ومستويات المعترضين والمحتجين على قراءة النصوص وعلى التعامل مع الضمانات التي قدمتها عملية التشريع في الاتجاه المعاكس للارتياب والقلق. لكن السؤال يبقى أساسياً اليوم، ولا بد من توقف دوائر القرار عنده من باب التشخيص والتحليل، وبصرف النظر عن جدية ما يسمى بيان ائتلاف أبناء العشائر الأردنية.
وبالتأكيد، الحل ليس عبر التشكيك بأبناء وحراكات العشائر، بل بالتحدث مع كل المكونات الاجتماعية الأردنية بصيغة» تحدثوا معهم وليس عنهم».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق