اراء و مقالات

ملك الأردن «يوجه» بالإصلاح السياسي… فهل تفلت التفاصيل مجدداً؟

بدت مقاربة تتعامل مع الواقع الموضوعي والاحتياجات، والأهم التوقعات الاقتصادية تحديداً، ومعها الأمريكية، عندما يتعلق الأمر بالملف الشائك والمعلق والمعقد في الأردن باسم الإصلاح السياسي.
لكنها المقاربة نفسها التي ستزيد من الاحتقان وتراكم في الإحباط إذا أفلتت التفاصيل مجدداً، كما حصل عدة مرات في الماضي، ولجأت مراكز القوى المكلفة بتوجيه ملكي وصريح إلى المراوغة واللعب المكشوف في تمرير وصفات إصلاحية صغيرة على أنها جرعات كبيرة، بمعنى توزيع الوهم مجدداً. تلك مفارقة أيضاً يفترض أن يتنبه لها الثلاثي الذي كلف وعلناً بمراجعة تشريعات الإصلاح السياسي، حيث دشن رؤساء السلطة التشريعية والتنفيذية اجتماعاً هو الأول ظهر الأحد، بهدف بناء تشاورات بين رئيس الوزراء ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، تلتقط وبسرعة ما هو جوهري في مسألة التوجيه الملكي الجديد بخصوص تشريعات الإصلاح السياسي، مع أن وزير التنمية السياسية موسى المعايطة، تقصد من جانبه الظهور علناً لكي يشرح للرأي العام أرضية تلك المشاورات دون التطرق للتفاصيل .
أفاد المعايطة عند الاستفسار، بأن التفاصيل متروكة لأصحابها في السلطة التشريعية، وبأن التوجيه الملكي واضح على أساس أن عملية الإصلاح أصلاً مستمرة. بوضوح يتجنب الوزير المعايطة، وهو المختص بالملف، التحدث عن البند الأبرز والأول والأهم في ملف الإصلاح السياسي وهو قانون الانتخاب، فيما يترقب الجميع خطوة الدولة العميقة التالية في سياق المشهد الذي يتم ترتيبه على مسارين تحديداً.
قدر المحلل السياسي مروان الفاعوري مسألتين تجاهلهما صعب جداً لإظهار نوايا طيبة وحقيقية في الانتقال إلى العمق في مسألة الإصلاح .
الملف الأول هو ملف نقابة المعلمين العالق ومعه الحريات النقابية، التي أقر أيضاً أمام «القدس العربي» نقيب المهندسين أحمد الزعبي، عدة مرات، بأنها في أسوأ أحوالها بعد تهميش العمل النقابي وإفراغه من المحتوى.
الملف الثاني له علاقة هذه المرة بالإخوان المسلمين الذين يريدون حواراً مع الدولة وليس الحكومة فقط، قبل إقرار المسار المناسب لمرحلة الإقصاء التي عايشوها ووسط تكهنات تتحدث عن إمكانية فتح قنوات الحوار معهم ولكن بالتنقيط والتقسيط، الأمر الذي يرى القيادي الشيخ زكي بني ارشيد أنه غير ملائم لاستعادة مناخ الثقة في الحوار حافزا على المصلحة النقابية العليا.
بالنسبة لنائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة، لا يمكن التحدث عن مضمون في الإصلاح السياسي يعفي الجميع في الدولة والشارع من التشنج والتوتر إذا ما استمرت تلك المحاولات البائسة لدفن نقابة ولدت على أساس دستوري ونقابي متين.
في المقابل، وعندما يتعلق الأمر بالحوار الصاخب حول عناوين الإصلاح الشامل، يقدر مراقب وخبير اقتصادي مثل ياسر الحنتولي، بأن البيئة الاستثمارية والاقتصادية في البلاد تتطلب دوماً توطئة منتجة برسم الإصلاح الأفقي الشامل، فنفض الغبار عن ملفات الإصلاح الإداري مهم.
وإزالة العقبات التي تكدست بيروقراطياً أمام المستثمرين أيضاً مهم، والاستجابة لتوجيهات القيادة واجب جميع المسؤولين والمعنيين وفوراً، والإشارات واضحة في أن الأطراف المعنية بصناعة مشهد يمنع التراجع الاقتصادي تحديداً ستصفق بالنتيجة لكل مبادرات الحوار والتفعيل السياسي.
يقترح الحنتولي مجدداً تأسيس نظرة إيجابية نحو المستقبل واقتناص الفرص التي توفرها أطر المرجعية لبناء مشهد وطني عام فعال ونشط وإنتاجي قبل أي اعتبار آخر.
لكن التفاصيل يمكن أن تفلت مجدداً وقد تحاول العديد من الجهات العبث بها مجدداً كما حصل في الماضي؛ لأن الانتقال إلى مستوى الإصلاح السياسي الحقيقي يتطلب كلفة يعرفها الجميع، مع التأكيد على القناعة بضرورة هزيمة المنطق الذي حكم الأمور طوال سنوات، وهو نفسه المنطق التضليلي الذي قال لمركز القرار خلف الكواليس بأن كلفة الإصلاح السياسي الحقيقي أعلى بكثير من كلفة عدمه أو عكسه.
تلك قاعدة سيئة جداً يقترح وزير البلاط الأسبق وأحد أبرز دعاة الإصلاح السياسي الدكتور مروان المعشر، أن تدفن مسبقاً؛ لأنها مخادعة ومعيقة، علينا جميعاً كأردنيين -برأي المعشر- أن نتخذ خطوة أكبر لأن الإصلاح الحقيقي استثمار لجميع الأطراف في الدولة قبل الناس. في كل حال، لا تزال فرصة العبث بالتفاصيل قائمة ومهمة، والاجتماعات بين سلطتي التشريع والتنفيذ لا تكفي أمام الكاميرات فقط، فجدلية السياسي الذي يعمل لصالح الأمني حتى الآن ينبغي أن تحسم أيضاً.
والإيمان بالمهنية على حساب الولاء المسموم المتشدق محطة وقوف إجبارية إذا قر سكان الطبقات العليا التحدث عن الإصلاح الحقيقي. ومجلس النواب الذي شكلته تجربة هندسية غريبة للانتخابات عليه أن يفهم مبكراً صعوبة العبث بمعطيات التفاصيل، حيث 3 مسارات تخضع فيها الدولة اليوم قبل غيرها لاختبار الإصلاح بعد التوجيه الملكي، وهي قوانين التعددية الحزبية، وتشريعات اللامركزية، والأهم بلا منازع قانون الانتخاب.
مبكراً، وفي خلفية مجلس الأعيان، وبعيداً عن كل الأضواء، التقط المخضرم سمير الرفاعي وآخرون الإشارات عبر الدعوة إلى مراجعة تشريعات التنمية السياسية.
ويعني ذلك، بعد صدور توجيه ملكي علني في السياق، أن مجلس الأعيان قد يكون في موقع متقدم قياساً على مجلس النواب، وفي مركز الثقل الأمني، وأيضاً في مركز الثقل الكلاسيكي الاجتماعي؛ فالانتخابات الأخيرة انتهت بفظائع في هندسة التمثيل. وفي الأثناء، يسجل الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي مراد العضايلة، ملاحظته الأولى بعنوان «الإصلاح السياسي يحتاج إلى أجواء ثقة، وهي غير متوفرة الآن».
معنى الكلام أن مهمة رئيس الوزراء الحالي الدكتور بشر الخصاونة، قد تكون حقاً استعادة أجواء الثقة قبل تدشين حوارات تشريعية سياسية، أملاً في «تنفيذ أحسن» وتجنباً لمزالق الاستجابة البطيئة المترنحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق