اراء و مقالات

منظومة الأردن: «تحذير لابد منه»

أسوأ عملية تحديث للمنظومة هي تلك التي تتحرك عند الإجراء والتنفيذ على أساس إقصاء مكون سياسي وحزبي يعرف الجميع أنه أساسي في المجتمع

برمجة البوصلة والاتجاه على أساس يفترض بأن الطريقة الوحيدة لتحديث المنظومة السياسية في الأردن تتطلب أو تبدأ بتقليم أظافر التيار الإسلامي أو تحجيمه، هو الخطأ الأبرز الذي قد يدفع الجميع كلفته وثمنه لاحقا.
ذلك الثمن يبدأ من سلسلة تداعيات عنوانها الأساسي عدم الجزم بانتاجية تحديث المنظومة على أساس إقصاء أو استهداف حزب سياسي قبل ودون غيره فأي خلط بالأوراق هنا سينتهي بالضرورة بنتيجتين أساسيتين هما:
أولا: ضرب مضمون وقيمة فكرة ومنهجية تحديث المنظومة، بمعنى التشكيك ببنيتها ونزاهتها، وهو آخر ما نفترض أن الرؤية المرجعية والملكية تحديدا يمكن أن تقبله.
ثانيا: الاسترسال مجددا بتقديم خدمات مجانية للفصيل أو التيار أو الحزب المستهدف هنا ودون مسوغ أو مبرر مقبول.
والسبب القناعة الراسخة بأزمة مصداقية الدولة عند الناس. وبالتالي المخيلة الشعبية تجنح باتجاه المستضعف والمستهدف أو من يجيد العزف على أوتار الضحية، ومن الطبيعي في حالتنا أن يكسب الإسلاميون قبل وأكثر من غيرهم، إذا ما حولتهم تقنيات تحديث المنظومة إلى ضحية، لأن أحدا لا يقبل بتأسيس حالة من الاشتباك الإيجابي جديدة، على أنقاض فهم رسمي سابق لمسار الأمور، قوامه أن التيار الإسلامي هدف وخصم دوما، وليس جزءا من النسيج الاجتماعي.
أتفق مع القول بأن الإسلاميين حزبيا وسياسيا لديهم مشكلات أساسية وعميقة، وأتفق مع القول بأن بعض سلوكياتهم ليست مفهومة حتى لي أو لغيري، وبأن بعض قياداتهم ينتقدون عدم وضوح الدولة، فيما يغرقون في الغموض والألعاب أحيانا.
وأتفق مع القائلين أيضا بأن بعض الحوادث المسجلة باسم بعض الإسلاميين تحت قبة البرلمان أو مجمع النقابات المهنية مؤخرا، من الصعب قبولها أو حتى قبول تغييرها، فهي أخطاء لكن الرد عليها ينبغي أن لا يكون بأخطاء أكبر منها.
مجددا أسوأ عملية تحديث للمنظومة هي تلك التي تتحرك عند الإجراء والتنفيذ على أساس إقصاء مكون سياسي وحزبي يعرف الجميع أنه أساسي في المجتمع، فالإقصاء هنا بحد ذاته عندما يحصل ليس أكثر من حماقة بيروقراطية تصيب عملية ومنهجية تحديث المقصودة نفسها، الأمر الذي سيؤدي بالنتيجة إلى خسارة في رصيد عملية التحديث الشعبية أو عند الشعب، يقابلها مكاسب من الطراز الذي كان يمكن الاستغناء عنه للمكون الذي يتم اقصاؤه.

أسوأ عملية تحديث للمنظومة هي تلك التي تتحرك عند الإجراء والتنفيذ على أساس إقصاء مكون سياسي وحزبي يعرف الجميع أنه أساسي في المجتمع

أفضل خيار دوما هو التحاور مع الإسلاميين أو غيرهم. وأفضل وصفة بكل الأحوال هي فتح صفحة جديدة من جهة جميع الأطراف والتوقف عن الانكار وعن حالة الإصرار على إعداد طبق العجة بدون تكسير البيض، وليس من المبكر تذكير الجميع بأن مجد تحديث المنظومة السياسية والحزبية، لا يمكنه أن يبنى على أنقاض أي تيار سياسي لديه وجهة نظر ويحظى بشرعية الحضور ومن حقه مقابل كل أنماط الالتزام القانوني والدستوري الحصول على فرصة منصفة للتنافس مع بقية التيارات.
التحرك على أساس إخراج الإسلاميين أو الحراكيين أو الوطنيين او غيرهم من المعادلة في برلمان أو حكومة المستقبل لا ينطوي على أي حكمة من أي نوع، بل يخدش بصورة فادحة المضمون النبيل الذي أرادته المرجعيات في تطوير عملية سياسية وحزبية تصلح لاقتحام المستقبل، أو تؤسس لحالة وطنية عامة يمكن أن يتلاقى عندها غالبية الأردنيين.
الحرص على تحجيم حزب بعينه أكثر من الحرص على استقرار عملية سياسية تحديثية خطأ فادح وجسيم، يستفيد منه المتشددون والمتطرفون فقط، وإذا ما سمح لهذا الخطأ بالاسترسال، الأضرار قد تتعدى برأينا المتواضع خدش نبل الفكرة والبرنامج. والإصرار بالمقابل على تصنيع بعض الأحزاب السياسية انطلاقا من تحجيم الإسلاميين أو غيرهم بدلا من تأسيس فرصة متزنة للجميع وبدون تدخلات الدولة خطأ آخر جسيم أيضا، لأن المسألة هنا تختلف عن فعاليات عملية هندسة لانتخابات، فلا توجد حكومة في الكون يمكنها أن تخترق بأي هندسة عقول الناس وميولهم عندما يتعلق الأمر بالتحزب والأجندة السياسية.
على الإسلامي الأردني أن يظهر قواعد حسن النية بعد الآن، وجملة منضبطة أكثر في التعبير عن تناقضاته. وعلى صانع القرار بالمقابل وقف عملية النزيف الداخلية التي تخرج عملية تحديث المنظومة عن سياقها المرسوم، فأحزاب الأنابيب المصنعة خالية من الدسم ومنقوصة الشرعية، وقد ينتج عن عملية منصفة ومتوازية وجود أحزاب وطنية حقيقية تتولى هي وليس أذرع السلطة تحجيم التيار الإسلامية أو حتى إخراجه من المعادلة تماما، بعملية ديمقراطية شرعية فكرتها الاقتراع الحر والاحتكام للصناديق.
عندما تقرر إرادة سياسية مرجعية بأنه آن الأوان لتحديث المنظومة السياسية نفترض بأن الأجهزة التنفيذية والحكومية في طريقها للالتزام وبجدية.
دون ذلك ستبقى التجربة مشوهة ومنحرفة وخالية من الاستقرار وعاجزة عن تقديم قيادات حقيقية وجديدة للمجتمع.. تلك حصريا البيئة التي تناسب التيارات الإسلامية أو غيرها أو حتى بعض أجنحتها المتشددة والتي تنتظر الآن لحظة سقوط ملف التحديث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق