اراء و مقالات

من «الذاكرة»: ما الذي اقترحه الحسن الثاني على الملك حسين قبل رحيلهما؟ الأردن والمغرب و«القدس» في الإنذار «المبكر»

ثمة ما حفز ذاكرة الأردنيين بالتأكيد فجأة لحادثة شهيرة ومنقولة يقترب عمرها من 30 عاماً، ولها علاقة بالمغرب الشقيق، وتحديداً بالملك الراحل الحسن الثاني، صديق ورفيق الراحل أيضاً الحسين بن طلال.
زار وفد رفيع المستوى ملك المغرب وقتها. وكان وزير الأوقاف الأردني الأسبق والراحل أيضاً الدكتور عبد العزيز الخياط، ينقل رسالة استفسار من الملك حسين لها علاقة بالقدس والمسجد الأقصى في إطار التنسيق بطبيعة الحال مع المغرب، باعتباره رئيساً للجنة القدس باسم رابطة العالم الإسلامي والجامعة العربية.
روى الشيخ الخياط ما سمعه من الحسن الثاني بخصوص القدس عدة مرات، فقد أبلغ الملك الراحل الأردنيين ضمناً باستعداده لـ «المساعدة في رعاية القدس» إذا كانت هذه المساعدة ستخفف الضغط عن الأردن الشقيق. لاحقاً، وفي التفاصيل، ألمح الملك المغربي الراحل إلى مقترحات كانت جديدة على الأذن الأردنية، قوامها استعداده لتخصيص ميزانية مالية لحراسة المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية في القدس. لا بل أظهر المغرب وقتها استعداداً لإرسال فرقة عسكرية مغربية بالترتيب مع الدول العظمى للمساعدة في حماية المواقع المقدسة في المدينة المحتلة.
تلك مقترحات أصبحت اليوم من التاريخ. لكن بعض مجايلي الشيخ الخياط من ساسة عمان يحاولون استذكارها اليوم، في إطار الشغف، بفهم ما الذي جرى مؤخراً بين المملكة المغربية الشقيقة طبعاً والرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، حيث رابط لم تتفكك معادلته بعد في عمان بين الاعتراف الأمريكي المفاجئ بسيادة المغرب على الصحراء وبين نشاط ملحوظ في المقابل على مسار عملية السلام. فقرار ترامب بالاعتراف بسيادة المغرب على أراضيه الصحراوية يتسق تماماً مع الموقف الأردني الذي يعبر عنه علناً وزير الخارجية أيمن الصفدي. وليس سراً أن إقامة «قنصلية» أردنية وأخرى بحرينية وثالثة إماراتية في الصحراء المغربية بالتزامن سبق مبادرة الرئيس ترامب، التي كان ثمنها المغربي في المقابل الإعلان عن حالة السلام الجديدة والمثيرة للجدل بين المغرب والكيان الإسرائيلي. بمعنى آخر، يوحي إجراء الأردن فتح القنصلية مع الحليفين الإماراتي والبحريني بأن عمان قد تكون في صورة ما كان سيحصل بين الرئيس ترامب والملك محمد السادس؛ فالعلاقات بين المملكتين تجاوزت كل مطبات التجاذب والخلاف طوال عقدين، وإن كانت الدبلوماسية الأردنية قد رصدت مرات عدة في كواليس اجتماعات الجامعة العربية التحضيرية رموز وأدوات نظيرتها المغربية وهي تحاول الإفلات بمهارة بين الحين والآخر من أي تعبير أو بيان إعلامي سياسي يدعم، بقوة، الوصاية الهاشمية الأردنية على القدس أو لا يدعمها بنفس القوة.

موقف مغربي متأرجح

بقي الموقف المغربي متأرجحاً في عدة اجتماعات شارك فيها وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، لكن هذا التأرجح تقرأه وتفسره عمان طوال الوقت بحسن نية، ولا يؤسس لخلاف أو تجاذب أو تباين مع التصور الأردني في الملف الفلسطيني وفي ملف القدس تحديداً بحكم العلاقات المتميزة والهادئة، مع أن الملك محمد السادس وفي حادثة شهيرة في قمة البحر الميت عاد إلى بلاده بطائرته بعد أن دخل الأجواء الأردنية. و في كل حال، تتجنب محطات الاستشعار الأردنية الخبيرة زحمة تلك الاجتهادات التي يمكن أن تنتهي باستنتاج يقول بأن التصور المغربي في ملف القدس تحديداً يزاحم بأي صيغة المصالح الأردنية. وهو تزاحم اقترح مفكر سياسي مثل عدنان أبو عودة، دوماً وأمام «القدس العربي» الانتباه له في إطار تدحرج تداعيات عملية سياسية جديدة ينفض عنها الغبار وتحاول اقتراح شبه دولة فلسطينية على الجميع.
وفي ورقة تحليل وموقف مهمة، حذر من مشروع دولة أرخبيل فلسطينية، ووضع الوصفة أمام الدولة الأردنية للتصرف، مقترحاً استراتيجية صمود أهل فلسطين على الأرض وحملة دولية مع كل الأصدقاء والشركاء في العالم، لا تكتفي بحل الدولتين بل تعرف الدولة الفلسطينية على نحو تفصيلي وعلى أساس أن عدم قيامها هو بمثابة عقيدة عند اليمين الإسرائيلي.
عملياً، لا توجد قرائن أو أدلة حتى الآن على الأقل تشير إلى أن صفقة ترامب – المغرب الأخيرة مؤذية للمصالح الأردنية في العمق الفلسطيني بأي حالة، ولا توجد رواية مضادة في الأردن الرسمي حتى اللحظة لتراثيات التنسيق والعلاقات الأخوية بصورة تسمح بتزاحم ما. لكن في المقابل، لا تقدم المؤسسة الدبلوماسية الأردنية وممثلها الوزير الصفدي، أدلة حقيقية على أن عمان تحيك الخيوط في المسألة الفلسطينية مع التطور المغربي الأخير، أو أنها جالسة على الطاولة فعلاً، وفقاً للتعبير الذي كان يستخدمه دوماً وزير الخارجية الأسبق المخضرم ناصر جودة. في المقابل، وقبل الإعلان عن وصول قطار التطبيع الإبراهيمي نفسه إلى الرباط، كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حازماً وصارماً في التمسك بالدور الأردني والهاشمي في إسناد ورعاية الأوقاف المسيحية والإسلامية في القدس المحتلة.

رسالة مسبقة… وتباين؟

وقبل ساعات فقط من إعلام طاقم ترامب لصفقة الصحراء والتطبيع الإبراهيمي، سمع الأردنيون جميعاً قيادتهم المرجعية وتحت قبة البرلمان وفي خطاب العرش، وهو أرفع خطاب دستوري، تتحدث بعبارات لا تقبل الالتباس عن المسجد الأقصى والحرم القدسي، باعتبارهما لا يقبلان التقسيم ولا الاجتهاد. وسمع الأردنيون قيادتهم أيضاً تتمسك بدور المملكة في رعاية المقدسات المستمر منذ مئة عام، وتمسك في مراسم افتاح دورة البرلمان الجديد بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة وعلى أرض الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف.
كان تأكيد عاهل الأردن على هذه المفاصل لافتاً جداً للنظر، فخطاب العرش الذي يفترض أن يناقش المسائل الوطنية والمحلية والحكومية عبر على تلك المسائل عبوراً، ورمز إلى الدولة الفلسطينية والوصاية الهاشمية.
هل هذا التأكيد الأردني ينطوي على رسالة مسبقة لترتيبات يمكن أن تحصل؟ هل هو بمثابة إنذار مبكر أم عبور على محطة يجري التنسيق لها؟
تلك أسئلة تبقى مطروحة في الوقت الذي ينمو في تيار نخبوي سياسي في عمان يدعو إلى التخلص من «عبء القدس» وهو بالمناسبة تيار لا تستمتع له القيادة المرجعية حتى الآن.
في مقايسات المؤسسة الأردنية وحتى الفلسطينية، التباين واضح بين المغرب وبقية دول الخليج التي صفقت بحماسة لقواعد «السلام مقابل السلام».
يوافق سياسي مخضرم من وزن طاهر المصري، وعلى هامش عصف ذهني وتحليلي مع «القدس العربي» على رصد مؤشرات التباين؛ فالمغرب أعلن الموافقة على التطبيع بعد حصوله على قرار أمريكي تاريخي، والملك محمد السادس تحدث مع الرئيس محمود عباس وشرح له الخلفيات وخاض في التفاصيل، والمؤسسة المغربية برمتها أصدرت عدة بيانات تؤكد فيها مواقفها الثابتة القديمة على دعم حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته ورفض تغيير الوقائع في القدس. هذا نمط من التباين يقرأ بموضوعية في عالم السياسة والدبلوماسية، ولا يمكنه أن يمثل، حتى برأي الدبلوماسية الأردنية، طعنة محرجة من الخلف أو في جوانب تربك المؤسسة الفلسطينية أو تحشر نظيرتها الأردنية في أي زاوية، لأن إفراط بعض دول الخليج في الحماسة التطبيعية والإبراهيمية كان مجانياً تماماً، وفي بعض الأحيان بلا هدف أو معنى أو مضمون أو ثمن، خلافاً لما حصلت عليه الرباط.
هل يعني ذلك أن عمان جبهة مرتاحة أكثر لتطور الأمور مع المغرب إسرائيلياً؟
.. هذا سؤال لا يمكن تحصيل إجابة عليه الآن؛ لأن بعض الأوساط المرتابة خارج الحكومة الأردنية تنتظر الخطوة السياسية المغربية التالية، وتراقب ما إذا كانت الرباط مهتمة بالعودة إلى صيغة المقترحات التي سمعها الراحل الشيخ الخياط يوماً وقبل أقل من ثلاثة عقود بقليل من الراحل الملك الحسن الثاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق