اراء و مقالاتمقالات وآراء

«ميزانية» الأردن: ظهور الفارق بين «الخبرة والطاقة»… كيف ترد رئاسة النواب على سؤال «العمر القصير»؟

 

دلّت نقاشات برلمان الأردن حول الميزانية المالية بقياس الخبراء والوزراء أيضاً، تحديداً، على مصاعب تحصيل قدر مأمون من التواصل الكيميائي بين السلطتين ضمن تداعيات الهندسة التي طالت، بعد الانتخابات أيضاً، اللجان الأساسية في الطبخ التشريعي.
عملياً، اعترض تقرير اللجنة المالية على عدد قليل من بنود مشروع الميزانية. ولأن الخبرة في إطارها المالي العميق غائبة تماماً عن ثلثي أعضاء اللجنة المالية على الأقل وفي إطار التوازن مع اتجاهات الحكومة، تركت اللجنة لمجلس النواب فرصة الموافقة على توصياتها بترشيد الإنفاق وتخفيضه إلى 140 مليون دينار على الأقل.

هل حصل ذلك فعلاً؟

رئيس اللجنة الدكتور نمر سليحات، وفي وقت مبكر بعد القراءة الأولى للميزانية، أبلغ «القدس العربي» بأن اللجنة ستأخذ بالاعتبار كل المسارات والظروف والبيانات، وستدقق في التفاصيل، وستتعامل مع مشروع الميزانية باعتباره خياراً للدولة وليس للحكومة فقط.
لا توجد مؤشرات قوية على أن اللجنة المعنية بالملف المالي قدمت باسم النواب اقتراحات فعالة تحت بند كيفية إدارة موارد الخزينة وسياسة الدولة المالية. فالمشروع الذي تقدم به الوزير الدكتور محمد العسعس، تمأسس أصلاً على دراسات رقمية وبياناتية مدروسة بعناية شديدة، وليس لها علاقة فقط بالتوقعات، لكن علاقتها المباشرة ببروتوكول التفاوض والاتصال مع ممثلي مؤسسات الدولية المانحة، والذي يشرف على فعالياتها أصلاً الوزير الدكتور محمد العسعس. رزمة التشنج عند بعض أعضاء اللجنة المالية تجاه العسعس ومشروعه للميزانية خفت قليلاً عند النقاشات، حيث تأخر التصويت بسبب العاصفة الثلجية إلى بداية الأسبوع الحالي على الأرجح. والميزانية كان معروفاً أصلاً لجميع الأطراف أنها ستعبر في التصويت، ما لم تحصل مفاجآت لا علاقة لها بالمسألة المالية. وبالتالي، يدخل مجلس النواب ومعه حكومة الرئيس الدكتور بشر الخصاونة، في حالة تعايش هي أقرب إلى حالة زواج كاثوليكية اضطرارية بالمعنى السياسي.

عندما تغيب «الكيمياء» بين سلطتين ويصبح الزواج «كاثوليكياً»

بصرف النظر عن اتجاه الرئيس الخصاونة نحو سيناريو التعديل الوزاري أو تأجيله، يمكن القول بأن الحكومة عبرت عن نقاشات الثقة بها، وستعبر عن نقاشات الميزانية والمرحلة اللاحقة، كما فهمت «القدس العربي» من رئيس المجلس عبد المنعم العودات، وهي مرحلة تعاون بين السلطتين؛ بمعنى التعايش والاستيعاب المتبادل، وإن كان الرئيس الخصاونة نفسه قد مشى سياسياً بين ألغام 100 نائب جديد على الأقل، مارسوا على الحكومة كل أنماط الاستعراض.
الخبرة خصوصاً عند النواب الجدد تتراكم.. هذا ما يقوله العودات، والصلة مع السلطة التنفيذية برأيه تتجه نحو التنظيم أكثر، محولاً التذكير دوماً بعدم استعجال النواب ومجلسهم، فعمر المجلس لا يزيد عن 3 أشهر بعد، والأسابيع المقبلة ستشهد أنماط الاشتباك الإيجابي بين السلطتين لما فيه مصلحة للوطن. هنا تحديداً سألت «القدس العربي» العودات عن تلك الفرضية التي تستوطن الصالونات حول قصر عمر المجلس الحالي وحول ضغط ملف الإصلاح السياسي وتغيير قانون الانتخاب، مما يجعل الانطباع أكثر بروزاً بخصوص مستقبل مجلس النواب الجديد. رد العودات على السؤال بجواب مقتضب، مقترحاً ترك مثل هذه التصورات البائسة خلف الظهر، وقائلاً بأن الكثير من التحديات والأولويات على الطاولة، ومجلس النواب يقوم بواجبه ودوره، أما قصة «العمر القصير» بانطباعات مسبقة فلا يريد العودات الاعتقاد بأنها حتى تستحق النقاش. لكن تلك الصلابة في موقف رئيس مجلس النواب وتصوره، لا تعني بأن المجلس لا يعيش في أزمة خبرات وطاقات. فقد ظهر لأكثر من طرف وتحديداً عندما يتعلق الأمر باللجنة المالية، بأن غياب نائب نشط وخبير اقتصادياً هو الدكتور خير أبو صعيليك، من العناصر المؤثرة والواضحة في التقييم والأداء.

مفارقة غريبة

أبو صعيليك قد يكون الوحيد في نقاشات الميزانية الذي تقدم بخطاب خارج اللجنة التي لا يتواجد فيها في مفارقة غريبة بقراءة رقمية ومنهجية أقرب إلى صيغة مناقشة ميزانية مالية، مع التحذير اللازم دون الغرق في الخطاب السياسي.
بصرف النظر عن التقييم ضده أو لصالحه، تتحدث حتى بعض مراكز القرار عن الفراغ البرلماني، وتحديداً في الملف الاقتصادي والمالي، جراء غياب أبو صعليك عن اللجان، في صدفة لا أحد يعرف بعد كيف ولماذا عبرت خصوصاً، وقد سمعت «القدس العربي» تقييمات لصالح هذا المنطق من العودات والعسعس معاً.
في كل حال، لا يقف الأمر على اللجنة المالية، فاتجاهات التشبيك السياسي قلقة من غياب خبراء عميقين جداً في التفصيل القانوني والتشريعي عن اللجنة القانونية أيضاً.
يدفع مجلس النواب ومعه الحكومة اليوم بوضوح كلفة الإصرار على ابتعاد شخصيات قانونية مهمة مثل صالح العرموطي وعبد الكريم الدغمي، عن مطبخ لجنة التشريع القانوني، فقد تحول النائبان إلى منصة قصف منهجية ويومية وخبيرة تستطيع تسجيل الأهداف في اتجاهات الحكومة المعاكسة.
وابتعادهما عن لجان الصف الأول يبرز اليوم كخطأ تكتيكي فاضح، لأنهما ثنائي قادر تماماً على استقطاب الإعلام والأضواء، لا بل على إرباك الجميع أحياناً بمداخلات قوية وبكل تحرر من أي قيود، وهو وضع لم يكن الثنائي البارز مؤهلاً للحصول على امتيازاته لو أن أفق من هندس المشهد في اللجان أوسع قليلاً مما يبدو عليه الأمر، فعضوية اللجان تصمت الأعضاء وتمنعهم في كثير من المفاصل من الإدلاء بمداخلات تحت القبة. ثمة مشكلة في الخبرة مع مجلس النواب لا يمكن أخفاؤها. لكن وعلى رأي العودات، ثمة طاقات أيضاً من الصعب إنكارها، وإن كان الفارق بين الخبرة والطاقة قد يؤسس لحالة فراغ ما، سيعاني منها الوطن قليلاً وفي ظرف معقد وحساس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق