اراء و مقالاتمقالات وآراء

نصيحة لوزراء الأردن: تحدثوا مع شعبكم

التحدث مع الجمهور في مرحلة حساسة كلفته أقل بكثير من العكس والمواطن العادي سجل سيرة عطرة وبطولية في تفهم إجراءات الدولة والتخندق حولها وفي شد البطون وتحمل الكلفة مهما كانت

 

لا أصدق شخصيا تلك الرواية التي تتبناها بعض أطراف المناكفة بعنوان «عملية جباية متذاكية» نفذتها الحكومة الأردنية بذريعة فيروس كورونا ودون «وجه حق».
لا يحتاج أي أردني وفي ومخلص لروايات بوليسية من الصنف الذي يصعب اثباته خصوصا في ظل الوضع الحساس الحالي، وبعد المواجهة الشرسة لكن المحترفة مع فيروس كورونا، والتي تضمنت ليس فقط «نجاحات طبية» ولكن أيضا «مهنية واحترافا» من العبث إنكاره.
لكن تلك الرواية حول «الجباية» تحتاج لرد بطبيعة الحال.
وعلى الحكومة أن تتجرأ هذه المرة وتبلغ الرأي العام رقميا بكل صغيرة وكبيرة لها علاقة بـ»نفقات مرحلة كورونا» التي لم تكن مخططة أو مبرمجة بالميزانية.
أعتقد أن الفرصة متاحة لشفافية في الأرقام تجنب ترك «رواية مضادة» تعشش في أذهان المواطنين ووجدانهم.
من المفيد أن يخرج للعامة وزير متخصص وهادئ يحترمه ويصدقه الشارع من وزن وزير المالية الدكتور محمد العسعس ليشرح للناس بصفة تفصيلية «من أين أنفقنا ومن أين سننفق؟.
تلك خطوة باتت ضرورية في ظل النمو الكبير لسيناريو يفترض «تسييس» كل ما يتعلق بكورونا، إبتداء من سياسات الإغلاق والحظر وخسائر القطاعات الأقل حظا وغيرها من التداعيات.
الرواية التي تشكك بأن الحكومة استغلت أزمة كورونا بالجباية لا تبدو منطقية بالنسبة لي خصوصا من حيث الأرقام المتداولة.
والرقم لا يرد عليه إلا برقم على حد علمي خصوصا وأن مصداقية الخطاب الحكومي على المحك حيث اتخذت الحكومة من أجل المواجهة عدة قرارات تقبلها المواطن الأردني بصدر رحب مؤمنا بخيارات دولته واثقا باتجاهات حكومته.
لا توجد أسرار نووية هنا لابد من إخفائها، والأمر لا يتعلق بأسرار تمس الأمن القومي. فقط المطلوب من الحكومة إبلاغ الأردنيين بحجم التبرعات المالية التي حصلت عليها وبكيفية انفاقها وبما أنفق منها حتى الآن وكيف سينفق الباقي.
والمطلوب وضع الأردني الذي لا يستطيع أي كان في السلطة المزاودة على حرصه ووطنيته قبل وبعد الفيروس بصورة «كلفة وخسائر الفيروس» على الخزينة العامة، ثم إبلاغ الناس بحجم المبلغ المالي العائد من قرارات حكومية مثل الخصم من الرواتب أو وقف كل العلاوات وغيرها من بنود أوامر الدفاع التي صدرت.

التحدث مع الجمهور في مرحلة حساسة كلفته أقل بكثير من العكس والمواطن العادي سجل سيرة عطرة وبطولية في تفهم إجراءات الدولة والتخندق حولها وفي شد الأحزمة وتحمل الكلفة مهما كانت، وفي الصبر وفي المساعدة قدر الإمكان، وهو بهذه الحالة مواطن يقف مع وطنه وبلده ومؤسساته وواجب الحكومة أن تتحدث معه بصراحة بالتفاصيل بدلا من الاستسلام للروايات المنقوصة أو العبثية او تلك التي يتم ترويجها بين الحين والآخر.
وطبعا بمناسبة الحديث لا يقف الأمر عند هذا الحد فقد برزت مشاهد تستنهض الفخر الوطني على هامش أزمة كورونا ومستويات تفاعل وتكافل تسطر نفسها في سجل التاريخ، وتظهر «معدن الأردني» الحقيقي الذي وجه له الملك عبدالله الثاني شخصيا التحية علنا.
رأيت أشقاء مصريين في عمان يدافعون عن خيارات الدولة الأردنية. شاهدت بعضهم وسط عمان العاصمة وقد توقفت الدنانير القليلة التي يحصلون عليها، يقنعون متبرعا عراقيا وآخر اردنيا بأنهم يستطيعون التبرع بيوم عمل كامل مجانا لتعبئة المساعدات وتحميلها.
وقف العراقي والسوري والأردني من مختلف الشرائح والمكونات مع الناس الأقل دخلا أو المتضررين من الأزمة وتحديدا من تداعياتها الاقتصادية والمعيشية.
سمعت رجال أعمال مستثمرين وتجارا تعطلت مصالحهم وشركاتهم لأكثر من شهر يصرون بلا منية على عدم استعمال البند القانوني الذي يتيح لهم دفع «50٪» فقط من رواتب عمالهم وموظفيهم بسبب التعطل والحظر.
شاهدت أطفالا يلقون الأزهار على رجال الأمن والجيش في الشوارع وقرأت عن الضابط العسكري الذي حمل بسيارته أردنية محتاجة للانتقال بعدما تعذر بسبب حالة طارئة عليه تدبيرها بتصريح حركة.
وسمعت السجين السوري وهو يتحدث عن الدورية الأمنية التي وفرت له طعام العشاء والماء ونقلته إلى ذويه بعد مغادرته السجن فورا في أحد أصعب أيام الحظر.
وتقابلت مع أردنيين يدبرون بالمقايضة لبعضهم البعض الخبز والسجائر وتعاملت شخصيا مع حالة شاب يحتاج للعلاج الشهري فتحركت سيارة من الدفاع المدني بطاقم لإحضاره إلى منزله، وسمعنا كلنا كأردنيين قائد الوحدة العسكرية الأردنية في أحد مخيمات اللاجئين وهو يستفسر عن نوع «قطرة العين» التي أصر على إحضارها لعجوز وحيدة في الحظر وأصرت هي بدورها على أن يشرب فنجان الشاي.
هذه كلها مشاهد وغيرها حصلت وأظهرت معدن الأردنيين حقا وتجللت بأنبل ما في المجتمعات خصوصا وقت الأزمات والمحن. ميول من هذا النوع وسط المدنيين والعسكريين وتكافل اجتماعي لا يفرضه أحد وشعور جماعي… هذه وصفة لشعب حي ويراهن عليه شريطة أن تكون نخبه ومؤسساته بقدر التحدي وتلك الكرامة ونحسب أنها كذلك بإذن الله.
لا تخذلوا الأردنيين وتحدثوا معهم وجربوا ولو مرة «قول الحقيقة».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق