اراء و مقالات

وزير أم «مذيع»؟… سحر الميكروفون والكاميرا «يورط» أركان حكومة الأردن و«لهاث» باسم «النفي والتأكيد والتعديل»

«فلاتر» خاملة ونشاط منفلت ومطر من «التشطيبات» ودراسة منع النشر

وقف فاعلون في وسائل الإعلام الأردنية الرسمية، الأسبوع الماضي، أمام محطة «مفارقة» التعليمات التي تحاول اللهاث وراء المستجدات الحادة محلياً، في محاولة صعبة لا بل يائسة لضبط إيقاع الروايات عبر التأكيد والنفي ومنع النشر بين الحين والآخر. وصدر عن الحكومة والسلطات التوجيه التالي: «لا تنشروا بيان رئيس مجلس النواب».
بعد ذلك التوجيه، قررت جهة ما في هيئة مكافحة الفساد، خلافاً للمألوف، التقدم ببيان للرأي العام يشرح بالتفصيل أسباب توقيف نقيب المقاولين الأسبق أحمد الطراونة. ونشر البيان التوضيحي لما جرى في الادعاء والنيابة، فصدر بعد وقت قصير التوجيه التالي.. «تجاهلوا نشر البيان التوضيحي».
ثم وقف العاملون في الإعلام، القريبون من الخاصرة الرسمية، أو المحسوبون عليها، أمام سلسلة تعليمات متتالية، في الوقت الذي كانت تصدر فيه المنصات الحكومية العديد من التوجيهات والأوامر والتصريحات المتزاحمة لرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز.

«فلاتر» خاملة ونشاط منفلت ومطر من «التشطيبات» ودراسة منع النشر

«فلاتر» الحكومة طلبت أيضاً تعديلاً على نص خبر رسمي يربط جدل مكافحة الفساد بتوجيهات الحكومة وليس بالرؤية الملكية. ولاحقاً، عقد الاستشاريون والمختصون والمعنيون مشاورات لها علاقة بتحديد كيفية التعامل إعلامياً مع قرارات نخبة من أهم أركان سلطة القضاء إحالة نفسها على التقاعد، في الوقت ذاته الذي توسعت فيه مجدداً عملية تسريب الوثائق والمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تسبق الجميع، وبدأت وفقاً لما قاله لـ «القدس العربي» القطب البرلماني خليل عطية مرات عدة، تحكم مسار القرار الرسمي والحكومي أحياناً.
بوصلة و«فلاتر» ومجسات المنصات والإعلام في الحكومة وأجهزة السلطة مرهقة بسبب المستجدات وتتالي الأحداث، فما يقوله المعارض ليث شبيلات وحده بين الحين والآخر في مسألة العطاءات والمقاولات والإنشاءات يحتاج إلى خلية عمل رسمية متفرغة. وما قاله في بيانه الشهير بعد اعتقال شقيقه رئيس مجلس النواب عاطف طراونة، يخلط ويبعثر كل الأوراق السياسية والإعلامية.
عبر إحدى المنصات، سأل الناشط السياسي مروان الفاعوري عن ما يري في الجهاز القضائي بسبب الاستقالات، وقبلها الإحالات على التقاعد والإقالات والتنقلات والتعيينات. ويناضل الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير أمجد العضايلة، للرد على ما تيسر من قصص وتكهنات وشائعات.
ويبالغ الجهاز الإعلامي التابع لمكتب رئيس الوزراء في التصريح والتوضيح، خصوصاً أن الرزاز قرر زيارات ميدانية أعقبها حفلة تصريحات وتعليقات لأجهزة الرقابة المالية في الدولة، من ديوان المحاسبة إلى جهاز الجمارك، ثم جهاز الضريبة في وزارة المالية. ويتقدم في الأثناء سياسي مخضرم وخبير في التعاطي مع الإعلام وتفعيلاته من وزن الدكتور ممدوح العبادي، بمداخلة علنية تسمعها منه أيضاً «القدس العربي» عبر سؤال استفهامي بسيط:.. عزيزي معالي الوزير.. هل أنت مذيع؟
وجهة نظر العبادي بسيطة، وتقول بأن الناطق الرسمي باسم أي مؤسسة أو وزارة يمكنه أن يقدم الوجبة الإخبارية، والناطق الرسمي باسم الحكومة يتولى عملية النطق باسمها. وعليه، فلا مبرر لأن يمسك الوزير – أي وزير – بين الحين والآخر، الميكرفون ويتحدث للكاميرا. ويحاول العبادي تذكير المسؤولين والوزراء بأنهم صناع سياسات وبرامج، وينبغي أن لا تخطفهم أضواء مهنة المذيع، فمثل هذا الدور ليس مطلوباً منهم.
ثم يشرح بأن الوزير، والمقصود طبعاً أي وزير، في أي وقت، ليس بالضرورة أن يوضح كل شيء أو أن يخرج للإعلام أكثر مما ينبغي، وليس بالضرورة طبعاً أيضاً أن يكون قادراً أو مقنعاً حتى عندما يتحدث؛ فتلك مهارة لها خصوصية وليست من اختصاص الوزير.
يبدو حسب ملاحظة للإعلامي والبرلماني جميل النمري أن حالة التجاذب ينتج عنها فوضى في سوق المنصات والإعلام، فالرأي العام شغوف بالتنقل، وأذرع الإعلام الرسمي كسولة أو نائمة، والوزراء والمسؤولون يلهثون وراء التقدم برواياتهم لمسار الأحداث، ومنصات التواصل تلتقط الغث قبل السمين، والشغف هوسي بالمستجدات.
سبق أن تنبهت دوائر القرار لذلك، وتم وضع وثيقة توصيات لدمج وتوحيد الخطاب الإعلامي في مؤسسات الدولة عبر لجنة من الخبراء تم التخلي عنها لاحقاً واعتماد بعض توصياتها، لكن مشروع الدمج قائم وقد لا يفي بالغرض؛ لأن الروايات عن مسار الأحداث تتزاحم في البلاد، ولأن الفوضى لم تعد خلاقة، فالنميمة كثيرة، والحكومة تقول نصف الحقيقة، وبعض القرارات يتم التراجع عنها.
والأهم في فوضى الإعلام الأردني المرحلية هو ولادة «سابقة» غير مألوفة، فمن ينتج بعض الأخبار المثيرة للانقسام هنا أو هناك اليوم هم أركان في السلطات وأقطاب في اللعبة السياسية، الأمر الذي حصل تماماً مع رئيس مجلس النواب ومع قضاة بارزين احتجوا على شيء لم يوضحوه علناً، فقرروا إحالة أنفسهم إلى التقاعد.
مشكلات الداخل الأردني اليوم كثيرة.. يقول العبادي، والمطلوب التوقف قليلاً ثم الاسترخاء ثم تحديد الأولويات ورص الصفوف والتفكير بصورة جماعية.
لكن الانفلات الإعلامي وزحام الروايات والتوجيهات والترقيعات عناصر قد لا تسمح بذلك في نهاية المطاف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق