اراء و مقالاتمقالات وآراء

وزير «كورونا» في الأردن في مواجهة الطفلة «سيرين»: «توفيت بسبب عدم وجود سرير» عبارة تقرع أجراس الإنذار

 

 تصلح حادثة وفاة الطفلة الأردنية سيرين، بسبب انفجار الزائدة الدودية والتقصير في أكبر مستشفيات القطاع العام، لإعادة إنتاج النقاش وعلى أسس موضوعية حول تلك الكلفة التي يتحدث عنها خبراء طبيون في الأردن للتركيز فقط على الفيروس كورونا وترك الباقي.
«الطفلة سيرين توفيت بسبب عدم وجود سرير». كان ذلك من أكثر الأخبار تداولاً في أوساط التواصل والمنصات الاجتماعية بين الأردنيين. وهو أيضاً من الأنباء السيئة جداً التي تطرح العديد من التساؤلات وتختبر القطاع الصحي الرسمي، مع أنه نجح حتى الآن في التعامل والاحتواء مع الفيروس كورونا، كما نجح في احتواء إصابات حادثة الشاورما الشهيرة والدجاج الفاسد، التي زادت عن 1000 حالة تسمم قبل شهر ونصف تقريباً، وتعاملت معها بكفاءة ومهنية رفيعة مستشفيات القطاع العام.
وفقاً لذوي الطفلة المتوفاة، والعالمين بقضيتها، تم تحويلها في حالة طارئة في مستشفى البشير، أضخم وأكبر مستشفيات الحكومة، بسبب التهاب حاد تم تشخيصه في الزائدة الدودية. الضغط عنيف جداً على ذلك المستشفى الذي يخدم نحو ثلاثة ملايين مواطن على الأقل.

تحقيق حول «إهمال أو تقصير»

توفيت الطفلة، وقال الممرضون إن السبب هو عدم وجود سرير لها بعد إجراء عملية جراحية لها تقررت طبياً، لكنها لم تنفذ. اشتعلت منصات التواصل في التحدث عن ما حصل، وأمر وزير الصحة سعد جابر، بتشكيل لجنة تحقيق، وتحدث مدير المستشفى الطبيب محمود زريقات، ضمناً، عن حصول خطأ ما أو تقصير عند طاقمه. واجتمعت لجنة التحقيق، وقال زريقات إن مظاهر التقصير بوفاة الطفلة سيرين سيتم الكشف عنها، معرباً عن أسفه ومعزياً عائلتها.
تعهد زريقات بالتحقيق والتحقق، وفي حال حصول إهمال أو تقصير.. إحالة المقصرين إلى السلطات القضائية. هذا التصرف السريع من الوزير جابر والمدير زريقات، يقدر مسبقاً بأن وفاة الطفلة سيرين بهذا الشكل ستحرج جميع الأطراف، وقد تتدحرج لتصبح قضية رأي عام. لكن الأهم أن طفلة في النهاية توفيت بسبب عدم وجود سرير بعد تشخيصها بحالة خطرة واتخاذ قرار بإجراء عملية جراحية لـها.

لوبي صناعات الدواء «في العمق» الآن ونقص حاد في «الاختصاص» برفقة تساؤلات في الشارع

تلك مسألة ينبغي التوقف عندها كثيراً في بلد تقول حكومته إنها تعاملت بكفاءة مع التحدي الطبي والفيروسي على الرغم من الجدل المثار أولاً حول أخطاء في المسيرة والاتجاه في الأثناء يتحدث عنها ويقر بها طوال الوقت رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز برسم التصويب والإصلاح. وعلى الرغم –ثانياً- من إصرار جمهرة من خبراء ووزراء الصحة السابقين على أن الوزير الحالي صاحب الشعبية الكبيرة وطبيب القلب الجراح سعد جابر، يتحول إلى وزير مختص بالكورونا فقط، الأمر الذي أنتج إرباكات على صعيد العديد من الإشكالات.
تحدث في هذا الاتجاه تفصيلاً لـ «القدس العربي» أطباء جنرالات زاملوا الوزير جابر، وخدم في القطاع العسكري الطبي بمعيتهم. في التفاصيل إشكالات كبيرة يواجهها القطاع الصحي أبلغت حتى لأعلى المستويات في المملكة.
وفي التفاصيل ضغط عنيف مستمر لسنوات، ولا مبرر بعد الآن لاستمراره على مستشفى البشير الضخم تحديداً وسط العاصمة عمان. وأزمة سرير منذ سنوات تواجه المرضى والمراجعين واخفاق في بناء المزيد من المراكز الطبية لتخفيف الضغط عن وسط العاصمة عمان.
وفي التفاصيل أيضاً تجميد معيب بيروقراطياً للبعثات في الطب التخصصي للخارج، وغياب مفاجئ وأفقي لأطباء الاختصاص في كل مرافق وزارة الصحة.
وفي التفاصيل الأكثر أهمية بعد الفيروس كورونا تركيز لكل المجهود الصحي الوطني فقط على الفيروس، وتجاهل للصحة النفسية للمواطنين، وتأجيل لحقوق أصحاب الأمراض المزمنة، وزحام شديد في غرف الجراحة، وقلة متابعة لمرضى غسيل الكلى.

رواتب متدنية

وإصرار على بقاء رواتب الأطباء دون المعدلات المنطقية، وندرة في كفاءات الاختصاص الجراحية العميقة، وتكلس بيروقراطي في مديريات وزارة الصحة، إضافة إلى تحول دراماتيكي على أكتاف الفيروس كورونا عزز من نفوذ بعض صناع ومستوردي الأدوية والعلاجات والمستلزمات، حتى أصبح -وتلك مسألة يتحدث عنها سياسيون أيضاً- اللوبي النافذ في الصناعة الدوائية فجأة جزءاً مسيطراً ومتحكماً وله حضور قوي ليس في القطاع المالي والبنكي فقط لكن في الدولة العميقة أيضاً.
كثيرون من القامات الطبية تحدثوا علناً عن ضرورة الاستمرار في التصدي للفيروس كورونا بالتوازي مع تحسين وتطوير خدمات وزارة الصحة وعدم التفريط بها.
حذر من ذلك الوزير سابقاً والطبيب وعضو لجنة الأوبئة المستقيل الدكتور عزمي محافظة.
وحذر علناً من ذلك وزير الصحة الأسبق صالح خرابشة، واستمعت «القدس العربي» لآراء متعددة في السياق حول ما يجري في ملفات الصحة من شخصيات، من بينها وزير الصحة الأسبق غازي الزبن، ووزير الصحة الأسبق الدكتور ممدوح العبادي.
وكان للطبيب الجنرال الذي تولى فترة طويلة الخدمات الطبية العسكرية، معين الحباشنة، رأي فني قيل في اجتماعات مغلقة لكبار المسؤولين أيضاً ويحذر من ضرورة تفعيل التأهيل والتدريب والحد من تراكم خريجي الطب، خصوصاً من بعض البلدان في أوروبا الشرقية.
وشدد الجنرال الطبيب الحباشنة على ضرورة التركيز بالتلازم على مقتضيات المواجهة مع الفيروس كورونا، وبقاء نظام الخدمات الصحية العام فعالاً عندما يتعلق الأمر ببقية الأمراض والاحتياجات.
نصح عديدون الوزير جابر ولاحظوا أحياناً علناً على الأداء، وزميله السابق الخرابشة تحديداً نشر تغريده قاسية عن عدم صواب ما يحصل.
لكن جابر والطاقم الحالي يؤسسون لمساحة بيروقراطية تناضل من أجل «تجفيف» الفيروس كورونا بصرف النظر عن بقية الاعتبارات، وهي المهمة التي أثبتت سجلات الأسابيع الثلاثة الماضية أنها أقرب إلى مهمة مستحيلة.
لكل تلك الأسباب تقرع حادثة الطفلة سيرين كل أجراس الإنذار، خصوصاً تلك المتعلقة بالنظام الصحي ومخاوفه ومشكلاته التي سبق معظمها عملياً الفيروس كورونا وزادت التعقيدات بعده.
الدرس المستخلص قبل التحقيق من حادثة وفاة الطفلة سيرين بسبب عدم وجود سرير، يفيد بأن المراجعة في الملف الصحي أصبحت ضرورية وحتمية، لأن الدلالات حساسة لاحقاً.
والثقة تتراجع بالقطاع العام مع أنه يتعرض لضغط كبير، فيما رئيس الوزراء الرزاز يبرر التراخي بمتابعة غالبية الملفات الأخرى بحجة التركيز فقط على تحسين خدمات القطاع العام والتسلل بذلك الإنجاز بالحد الأدنى، وهو ما لم يحـصل عملياً بعـد عامين حـتى الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق