خاص

تداعيات مهنية: «الأردن لزيز»

البحث عن تلك اللذة مفيد ومنتج في أغلب الأحيان. والكلام عن كيفية الحكم على الأشياء والمواقف والناس بانفعال وحماس وطيبة، مزيج من الصفات والسمات لا يمكنك أن ترصدها إلا في الأردن

«الأردن لزيز».
تلك عبارة شهيرة جدا في جميع الأوساط النخبوية والسياسية الأردنية، والملكية الفكرية لنسخها ليس سرا أنها تعود للأكاديمي والباحث السياسي البارز الدكتور مصطفى الحمارنة.
البحث عن تلك اللذة مفيد ومنتج في أغلب الأحيان. والكلام عن كيفية الحكم على الأشياء والمواقف والناس بانفعال وحماس وطيبة ووطنية وتسرع بنفس الوقت، مزيج من الصفات والسمات لا يمكنك أن ترصدها إلا في الأردن، والأغرب أن المسألة لا تتعلق بالأفراد فقط بل بالمؤسسات والحكومات وأحيانا بالدولة.
مازلت أذكر حادثة بمنتهى الطرافة لها علاقة بكيفية قراءة النصوص الصحافية، فقد بذلت جهدا كبيرا مع رئيس الوزراء الأسبق علي أبو الراغب، أطال الله في عمره، ورئيس المخابرات الأسبق رحمه الله سعد خير، وبطبيعة الحال مع كل الأجهزة وطبقات الموظفين تحتهما، وبقيت لعدة أيام أحاول إقناع الدولة الأردنية بأن خبرا صحافيا صغيرا يحرره محرر محايد نقلا عن وكالة أنباء عالمية، وينشر في صفحة نسميها نحن الصحافيين بالمدفن، ودون إبراز لا يمكنه أن يكون عداء وخصومة مقصودة مع الدولة الأردنية.
آنذاك وفي تلك الحادثة الطريفة كدت أعتقل وخضعت لاستجواب عنيف، لأن وكالة الأنباء الفرنسية نشرت خبرا عن تنزانيا وعبر تصريح للناطق باسم الخارجية التانزانية آنذاك، ولم يكن لا لصحيفتي ولا لمجلس التحرير ولا لمكتب عمان، ولا لي شخصيا أي علاقة مهنية بهذا الخبر الذي نشر في أسفل صفحة داخلية في الجريدة.
كدت ان أصنف عدوا للدولة الأردنية بسبب خبر تنزانيا عمليا رغم أني لا أعرف بصورة محددة أين تقع جمهورية تنزانيا، وما الذي يربطها بالأردن بأي طريقة، فقد علقت شخصيا في لقاءات مكثفة وتحقيقات عميقة وعند أعلى المستويات، وكدت لولا مشيئة الله ومرونة رئيس الوزراء أن أدفع ثمنا كبيرا لأن الجهة الدنيا في الدولة قررت التقاط الخبر التنزاني ورفعته ضمن تقرير مكتوب إلى القيادة العليا، حيث باشوات وجنرالات يقرأون العناوين فقط، ولا يدققون في التفاصيل.
بكل حال الأردن «لزيز» حقا أحيانا لكنه لذيذ أكثر عندما يتعلق الأمر بقراءة متسرعة أو إنتقائية أو غرائزية لأي نص، وأتفق مع تلك المقولة التي قيلت وذكرها يوما خبير مثل الدكتور مروان المعشر، وهو ينتقد بمسؤولية ما يجري في لبنان والأردن وعند النخبة، وتحديدا حيث تورم في الأنا والذات وأنيميا في الإنجاز والإنتاج، وحيث التصرف والقول والفعل على أساس أن السياسي اللبناني والأردني هو محور الكون، وأن العالم يقيم كل توازناته على أساس ما يفكر به سياسي طامح أو رجعي أو فهيم وعميق، يتسلى بالإفتاء بالقضايا في صالونات النميمة البيروتية والعمانية.

البحث عن تلك اللذة مفيد ومنتج في أغلب الأحيان. والكلام عن كيفية الحكم على الأشياء والمواقف والناس بانفعال وحماس وطيبة، مزيج من الصفات والسمات لا يمكنك أن ترصدها إلا في الأردن

اللذة نفسها لا تفارق حتى المواطن والفرد عندما يقرر ممارسة حرفته وإدعاء الاهتمام بالشأن العام.
مجددا علقت مؤخرا باللذة المماثلة بناء على نص خبري قبل 6 سنوات مبثوث أصلا من وكالة أنباء تركية. على كل حال المثقفون والرفاق وأحيانا الأكاديميون يتمسكون بالقراءة المنحرفة والمتشددة أكثر من بسطاء القوم، ثم يجد من يكتب ويدلي برأيه نفسه بحالة غير منضبطة حيث لا يسمعه أو يقرأه أحد، وحيث الاتهام من الوزن الكبير والثقيل هو الخيار الأسلم والأسرع.
أقولها بصراحة النخب المثقفة المعارضة أو الحراكية أو التي تشتم بالدولة والنظام أشرس في هذا السلوك الرديء من السلطة ورموزها.
لم أكن أعلم شخصيا بأن التصدي للإمبريالية والهيمنة الأمريكية ومشروعها الصهيوني في الكرة الأرضية، يمكن أن يبدأ حقا وفعلا من تأديبي شخصيا أو إعلان الرغبة في سحقي وإهدار دمي أنا ومن يمولني، رغم أني لا أعرف من يمولني ورغم أن المسألة لها علاقة بانطباع وليس بحقيقة.
أحدهم ومن باب الحماسة الجهوية والعشائرية توعدني بإرسال «خيل أولها في العاصمة عمان وآخرها في مدينة الحسا».. حسبت المسافة الجغرافية مع صديق مختص وتبلغ نحو 400 كيلومتر.. من أين سنأتي برؤوس خيل تصلح لهذه الغزوة التي تهدف عمليا لتأديب الإمبريالية والمشروع الصهيوني بداية من عندي؟.. لن نسأل عن عدد الخيالة اللازم لكن لاحظوا بأن صاحبنا يحمل درجة دكتوراه وأستاذ في فيزياء الكهرباء في إحدى الجامعات الحكومية.
آخر يعمل في سلك التعليم يناصر بدون سؤال أو استفسار قريبا له ويأمره عندما يراني لاحقا «طسه» وكلمة الطس هنا محكية ومحببة ويعرفها أهلنا في الجنوب، لكنها مرنة ومطاطة وتبدأ من توبيخ المطسوس أو شتمه وتنتهي عند قتله.
شابة في الأثناء تختار عبارة أكثر طرافة بعد الخيول والسحق الإمبريالي وتقترح».. اخلعوا نيعه» والنيع لمن لا يعرفه هو الحنك، وهي كلمة لا يمكن معرفة مصدرها بكل الأحوال.
حسنا تذكرت عادل إمام عندما هددوه بـ«حنشيل العدة».. كيف تستفيد معركة أهلنا في قرى الجنوب الطيب ضد الإمبريالية في حال خلع نيعي.
قلت لكم الأردن «لزيز».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق