مقالات وآراء

أسف «ملكي» أردني في واشنطن و«حفرة قاتلة» في عمان… الشللية تضرب والأخطر «مجموعات مصالح داخل النظام»

اتهامات للطبيعة وأخرى لـ «الإهمال» وتخبط في الاستنتاج

تماماً في الوقت الذي كان فيه الملك عبد الله الثاني يعبّر خلال تسلمه جائزة عالمية رفيعة في واشنطن «تمبلتون» عن شعوره بـ «الألم الشديد» لضحايا السيول الجارفة في بلاده متمنياً لهم الرحمة، كانت حفرة لمياه المجاري «مهملة» من قبل أجهزة البلدية تلتهم شخصين معاً فيحضر فريق الإنقاذ لإنتشال «جثث» بدلاً من الإنقاذ .
المداخلة الملكية بدت في طياتها «إدانة ضمنية» للإهمال البيروقراطي الذي كشف مستوى «تسيب» الأجهزة التنفيذية، حيث حاول – في ثالث حادث تسبب بوجع عمومي للأردنيين – شاب إنقاذ فتاة غرقت في حفرة امتصاصية أمام محله التجاري فغرق معها.
عدد الأردنيين الذين غرقوا حتى الآن في أقل من ثلاثة أسابيع بلغ 36 شخصاً، بينهم عشرات الأطفال، وستة على الأقل قتلتهم «النخوة» وهم يحاولون إنقاذ غيرهم، وثلاثة من رجال الأمن والدفاع المدني سقطوا شهداء وهم يحاولون الإنقاذ والمساعدة.
تلك «خسارة كبيرة جداً».. قالها رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز في اجتماعات داخلية تحاول تقييم ما يحصل. وفي العادة، لا يبدأ الموسم الشتوي في الأردن بمثل هذه الخسائر البشرية والاتهام بعد التسليم بالقدر، والعجز في مواجهة كوارث الطبيعة يتزامن مع وقفة تأملية لحالة الخذلان التي يشعر بها المواطن الأردني جراء تهتك البنية التحتية.
اعترف الرزاز علناً بوجود «ضعف في البنية التحتية». وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تبرير حجم الخسائر بالإشارة إلى «التغير المناخي» وتداعياته وكمية الأمطار التي هطلت، يبدو الرأي العام- وحسب مجريات منصات التواصل-تواقاً أكثر لاتهام الحكومة والبنية التحتية بالتقصير والإهمال.
حادثة الحفرة الامتصاصية الأخيرة، والثالثة مثلاً، تؤكد أن المتهم ليس الطبيعة بقدر ما هو «الإهمال» من الموظفين والمراقبين في بلدية العاصمة التي أعلن عميدها يوسف شواربه، تزامناً مع الضحايا، بأنه ينوي تشكيل لجنة لدراسة التغير المناخي.
والإهمال هنا نتج عن مشاهدة حفرة قاتلة بدون غطاء أمام محل تجاري متخصص في لعب الأطفال، وعدم المعالجة. قبل ذلك، صنف أعضاء برلمان عدم وجود نظام «إنذار مبكر» للسيول في المناطق المنخفضة باعتباره نمطاً من الإهمال أيضاً، وتبين أن «التقصير» في متابعة تراخيص شركات سياحة المغامرات نتجت عنه كارثة البحر الميت.
كما اتضح بأن بعض سدود المياه «غير محصنة» بجدران استنادية كما ينبغي، ومستوى التنسيق العملياتي بين الأجهزة «بطيء جداً»، وسكان المناطق المنخفضة تحت الجبال لا يتواصل معهم المعنيون. ولجان المجلس الأعلى للدفاع المدني تكثر من الاجتماعيات والتصريحات الاستهلاكية، لكنها لا تعمل في الميدان، ولا تتميز بالتقاط ذكي أو مبادرات بيروقراطية، فيما يظهر الإعلام الرسمي في حالة عجز تامة عن المتابعة.
تلك في كل حال ليست ملاحظات شارع ساذج أو متعجل، ولا حزب معارضة، ولا أصحاب أجندات خارجية، بقدر ما هي ملاحظات سجلت داخل مكاتب رئاسة الوزراء وورد بعضها في تقارير لجان تحقيق برلمانية وملكية. وبمعنى آخر الخذلان السياسي كبير جداً عندما تبدأ «أخطاء الإهمال» بالتأثير سلباً على «أرواح وحياة» المواطنين، فيما المطلوب من الأجهزة الأمنية وفرق الإنقاذ العسكرية التعامل فقط مع نتائج الترهل الإداري والأعمال والإجراءات التي «لا يقوم بها الجهاز المدني».
لذلك حصرياً، يمكن القول بأن التعبير الملكي عن الأسف رسالة للمستوى التنفيذي، لأن القصر الملكي يتصرف على أساس أن بقية الأجهزة التنفيذية تقوم بواجباتها. وهي مفارقة من المرجح أنها ستبحث وبقوة وفي اجتماعات عميقة جداً وستعقبها قرارات مهمة خلال اليومين المقبلين، لأن ما يرشح عن المرجعية الملكية هو عدم قبول التبريرات، وخوض معركة الترهل والفساد الإداري والتسيب أثناء العمل.
عملياً، لا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد اسمتعت «القدس العربي» مباشرة للرئيس الرزاز وهو يحاول تشخيص الأولويات في مسألة «الإصلاح الإداري» وتطوير أداء القطاع العام. ولمح الرجل إلى تراجع مفهوم «الخدمة العامة»، ويعلم بعد الاشتباك المباشر بأن «أداء الموظفين» في مستويات متدنية، ولديه ما يكفي من الالتقاط لفهم ما الذي يجري في البيروقراط، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بـ أولاً، «عدم الرغبة في العمل».
وثانياً بـ «ضعف المتابعة والمهارة وخلل الموارد البشرية والمراقبة على الأداء». وثالثاً، وقد يكون الأهم لدى مكتب رئيس الوزراء تصور واضح عن أمراض الوظيفة الأردنية من محطة المحاصصة والمناطقية إلى حالة الترهل الإداري وتعددية المرجعيات، وصولاً إلى المحطة الأكثر خطورة، حيث «الشللية» والعمل «داخل النظام» على أساس معادلة «مصالح ومجموعات». ومثل هذا التشخيص يؤشر إلى أن صانع القرار لديه سيناريو على الأقل لطبيعة المشكلة.
تبقى المواجهة والحل. وهنا حصرياً المرحلة الأصعب في ظل أزمة الأدوات التي تسببها «توازنات أمنية» وفي ظل الرسالة الملكية التي عبرت عن الأسف، وأمرت لجنة مستقلة بخصوص البحر الميت تحديداً بالتدقيق.
الإشكال المتوقع بعدما فقد 36 أردنياً حياتهم في مرحلة ما بعد التحقيق والتدقيق والتشخيص، ويتعلق حصرياً بسؤال القدرة الفعلية على التصرف وليس الرغبة.

المصدر
القدس العربي
الوسوم
اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق