مقالات وآراء

الأردن… أزمة مصداقية

التواضع قليلا والتعامل بصيغة واقعية مع الاقتراحات المبتكرة مطلوب وبقوة للحكومة الأردنية هذه الأيام.
أعتقد ـ وهذا اجتهاد شخصي فقط ـ بأن إصلاح المصعد الذي يخصصه مستشفى البشير الحكومي للعجزة والمرضى والذي أمر الملك شخصيا بإصلاحه ثلاث مرات قد يشكل أولوية في برنامج مشروع النهضة الوطني الذي تحدث عنه رئيس الوزراء المحترم عدة مرات.
ثمة ما يوحي من باب المقايسة بأن تثقيف الأردنيين وإقناعهم فعلاً بأن هيبة القانون تتطلب معاقبتهم عند الإصرار على إطلاق الرصاص العشوائي في الأعراس والاحتفالات قد يكون الخطوة الأولى على درب إعداد الجيل الشاب الأردني للثورة الصناعية الرابعة التي تتحدث عنها الحكومة.
لا أحد يمكنه أن يبقى في سياق المنطق والانصاف في التحليل والمتابعة عندما يتحدث اللسان الرسمي بلهجة واثقة عن تصدير خدمات الدولة الأردنية وشباب مؤهل حقا للتعاطي مع متطلبات الذكاء الصناعي فيما تنهش المخدرات مثلا القطاع الشاب وشرائح عملاقة منه ليس في المحافظات والأطراف فقط ولكن في مدن الزحام السكاني أيضاً بما فيها العاصمة.
قد يكون من العبث الاسترسال في بناء هذه المقاربات والمقارنات.
لكن من العبث ايضاً تقمص الوهم وإنكار الواقع ومن العبث ايضاً التحدث عن جيل له علاقة بالثورة الصناعية الرابعة فيما مدارس الحكومة وفي العاصمة تحديداً وفي بعض صفوفها يوجد 60 أو 70 طالبا في الصف الواحد.
هنا نناقش فعلا دولة رئيس الوزراء لأغراض الحوار التي يطالبنا بتفعيله.. قد لا يصلح الحديث عن مصفوفات وشيكة ضمن منهجية تحول البلاد إلى دولة مصدرة للخدمات بينما صفوف المدارس الابتدائية في القطاع العام تخلو من مدفأة أو كومبيوتر وفي بعض الاحيان من معلم.
الأردن بلد ولد في النار والجحيم الإقليمي ولا شكوك في أن الدولة الأردنية صلبة ومتماسكة لا بل حققت المعجزات في بعض الأحيان.
لكن السؤال هو: على أي أساس نتحدث عن تصدير الخدمات للعالم في الوقت الذي يطالب فيه الشعب الأردني برمته اليوم بعودة خدمات القطاع العام في المستوى النوعي إلى تلك التي كانت تقدمها الدولة قبل أربعين عاما على الأقل؟

الحكومات كالأفراد تماماً تمارس «التجمل» لكن الإسترسال والإغراق في التجمل قد ينتهي بمجازفة لها علاقة بأزمة المصداقية

وعلى أي اساس تتوقع منا الحكومة أن نصفق لخطابات تم ترويجها في المجتمع الدولي تظهر مكامن العبقرية البيروقراطية في مواجهة خبراء عميقين وخبثاء يديرون الأمور في بقية الدول الصديقة والشقيقة في الوقت الذي يقر فيه تقرير رسمي صادر عن مؤسسة حكومية بتراجع كبير ومرعب في خدمات الدولة؟.
الحكومات كالأفراد تماما تمارس «التجمل» لكن الاسترسال والإغراق في التجمل قد ينتهي بمجازفة لها علاقة بأزمة المصداقية والمواطن الأردني اليوم يواجه أزمة مصداقية مع الخطاب الرسمي.
ولم يعد مفهوما كيف يفترض صانع القرار بأن الأجنبي سيثق بالكلام المعسول والعبارات المنتقاة انشائية الطابع بينما نخبة من كبار حراس الدولة وصنّاع القرار لا تزال تعتبر ما يسمّى بالحقوق المكتسبة بمثابة عقيدة أو لا تزال تؤمن أن فلسفة الإدارة والعقد الاجتماعي برمته مستندة أصلاً على الأيمان بأن الدولة فقدت الحق في الاعلاء من شأن المهنية على حساب الولاء.
ثمة ما يقلق ويزعج في تشتيت أذهان وافكار الناس فالحكومة تعرف عز المعرفة ما الذي يحصل مع المستثمرين عند مواجهة الاستحقاق والتفكير الأمني وتعرف ما الذي يحصل معهم عندما يتعلق الأمر بطبقة عريضة من صغار الموظفين الذين احترف بعضهم السمسرة ويتمترس بعضهم الآخر حول نمطية الوطنية المزعومة التي تحتقر المستثمر وتعتقد بأن مصلحة البلاد والعباد تتطلب إعاقته وعرقلته.
المستثمر ببساطة شديدة يحتاج إلى أرباح قبل أي شيء آخر ونظرة واقعية للسوق تقول بأن المستثمر الاجنبي أو العربي أو حتى الأردني لن يتبرع بأمواله واستثماراته بدون عوائد أو مكاسب حيث ان المعادلة هنا علمية ومنهجية ورقمية.
ما الذي يمكن أن يفعله مستثمر مليء يخاطبه موظف في مؤسسة رسمية تقود القطاع المالي وفي لحظة انفعال بالعبارة التالية.. «انتم أكلتم البلد»؟
في ضوء معطيات لم تعد سراً نووياً لم تخبرنا الحكومة الفاضلة بعد عن الآلية التي تقترحها لجذب الاستثمار ولا تلك المعنية بتصدير الخدمات ولا شقيقتهما التي يفترض أن تقود مستقبل الشباب إلى أعتاب الثورة الصناعية الرابعة.
بصراحة وببساطة ومع كل الاحترام حجم الأفكار والمشروعات التي وردت على لسان الحكومة منذ تشكلت في شهر أيار/مايو الماضي أي خلال تسعة أشهر فقط غير واقعي ويفيض عن قدرة عشرات الحكومات فقد بدأنا بالحديث عن عقد اجتماعي جديد ثم مشروع نهضة وطني ثم حكومة أغلبية برلمانية خلال عامين ثم نهضة في تطوير خدمات القطاع العام.
لاحقا انتقلنا إلى إصلاح سياسي واقتصادي شامل وتحدث القوم للشعب عن دولة انتاج.
فجأة تحولنا إلى دولة تفكك حصاراً اقتصادياً غير معلن وتكاد تقف على عتبة الثورة الصناعية الرابعة قبل ألمانيا مثلا، ثم بدأنا نتحدث عن اختراقات في عالم البزنس والاستثمار وعن دولة انتاج وفجأة نتحدث عن القدرة على تصدير الخدمات.
كل ذلك يحصل ومصعد مستشفى البشير لا يزال معطلاً.
أقولها باحترام وحرص.. «دخيلك يا رزاز خفف»

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق