مقالات وآراء

الأردن بين «الملا عمر» وخطف قنديل

الرزاز لم يصبح رئيسا للحكومة لأنه علماني أو ليبرالي بل لأنه إداري يفترض به النزاهة وعليه أن يقدم حلولا للجميع

اطلاق اسم «الملا عمر» على رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز بعد الاختطاف الهمجي لرئيس منظمة مؤمنون بلا حدود يونس قنديل لا يبدو منصفا بكل الاحوال وينطوي على مبالغة وتشدد في غير مكانه فلا الأردن اصلا أفغانستان ولن يكون، ولا الرزاز يستحق هذه التسمية من باب النقد لأن وزيرا في فريقه قرر إحتواء فتنة مفترضة وإجتهد في قرار.
يساريون ومدنيون وليبراليون وكل فرد يخاصم الإسلاميين لأي سبب اندفعوا معا في وصلة جماعية تطلق هذا الوصف على سياسي مثقف وليبرالي ورفيق سابق لهم لأن وزير داخليته قرر منع ندوة تريد أن تستعرض جلسات جريئة حول سرديات الإسلام من بينها واحدة كفيلة لو انعقدت بنفس الاسم بإحداث اضطراب أمني واجتماعي وتحت عنوان «ميلاد الله».
مع تأييدي طبعا لحق وحرية التفكير والمؤتمرات لابد من تذكير كوادر حفلة اللوم لرئيس الحكومة هنا أنه رئيس وزراء لكل الأردنيين وعليهم.
بين هؤلاء..المتشدد والساذج والمتطرف والشرير والأزعر والسطحي والعميق والعلمي والجاهل والموتور.
يساريون وملحدون وعلمانيون… الدكتور عمر الرزاز يترأس حكومة تمثل الجميع او تتصرف بإسم الولاية على كل الشرائح بكل ما فيها من تناقض وتصارع وخلاف وتباين.
لدي كغيري عشرات الملاحظات على أداء الرزاز وحكومته. لكن ليس من بينها الادعاء أنه يمثلني أنا وفقط فحكومته تتحدث مع الجميع وتراعي مصالح كل الناس. وعلى كل من يريدون من الرزاز وفريقه «التحدث فقط باسمهم» ودون غيرهم تنشيط الذاكرة والتيقن من أنهم ليسوا وحدهم في الوطن والمجتمع والناس وأنه يوجد غيرهم كثيرون وان الرزاز لم يصبح رئيسا للحكومة لأنه علماني او ليبرالي بل لأنه إداري يفترض به النزاهة وعليه أن يقدم حلولا للجميع.
قد تكون واحدة من مشكلات الزملاء والاصدقاء من نشطاء التيار العلماني الذين أجلهم وأحترمهم أنهم يتصرفون بأفكارهم ـ وهذا حقهم ـ على أساس أنهم وحدهم في المجتمع وان واجبهم الوطني التنويري التصدي لكل من يعارضهم او لديه وجهة نظر أخرى.
نفس المنطق هو الذي يحكم اصلا المتشدد والأصولي وفي بعض الاحيان الإرهابي.
ونفس المنطق الذي دفع ثلة مجرمين لإختطاف ثم ضرب وتعذيب المثقف يونس قنديل هو ذاته الذي نلمسه وبصراحة في بعض الاحيان عند بعض العلمانيين حيث إنكار للآخر والسعي لعدم وجوده بصورة جذرية والحرص على مضايقته والمزاودة عليه وإتهامه بالجهل…تماما هي نفس محركات الفعل عند كل من يرفضون الآخر ايضا باسم الإسلام ويعتبرون أنفسهم «ظل الله وخليفته في الأرض».
التشدد مرفوض ومقيت سواء اكان دينيا ام علمانيا فالمتشددون هنا ليس لديهم اي استعداد حقيقي للحوار والتشارك ويرفضون من يقابلهم.
وعليه لابد من تذكير من يحاولون مضايقة الرزاز ويطلقون عليه اسم «الملا عمر» أنهم يبالغون وبشطط في الوصف وينكرون الوقائع ويطالبون الرجل اصلا بالتصرف وفقا لانحيازاته الفكرية الشخصية التي لا تناسب من يتولى الولاية العامة.
أشعر بالقهر والانزعاج كأي أردني شريف من الحالة التي توحي لأشخاص بصرف النظر عن هويتهم أنهم يستطيعون التصرف بدلا من ذراع القانون فيختطفون كاتبا ويعذبونه ويحفرون بالسكين على لحمه لأنه حاول الاجتهاد وتنظيم ندوة كان بإمكانهم محاورتها او ملاعبتها فكريا.
ولدي رأي مرجح بحكم الخبرة أن التصرفات التي استعملت في تعذيب الكاتب الزميل يونس قنديل لا تنتمي للإسلام بشيء وليست منه…استعمال ولاعة وحفر على اللحم وحرق جلد وتحطيم عظام واستعمال شفرة حلاقة..كلها أدوات ووسائل زعران وبلطجية وموزعي مخدرات ولا علاقة لها بأي جماعة اسلامية منظمة محترمة سواء في المجتمع أوفي البنية الحزبية.
طبعا جريمة الاعتداء على قنديل وحشية ومقيتة ومن المعيب ان يسكت عليها المجتمع الأردني.
لكن وبكل صراحة وموضوعية، الإخوان المسلمون ونوابهم في البرلمان لا يمكن لومهم او اتهامهم بالتحريض هنا فقد انسجم القوم مع انفسهم وأدبياتهم وإتصلوا بوزير مسؤول مطالبين بمنع ندوة لا تناسبهم أختيرت لها عناوين في غاية الاثارة والسعي لصناعة ضجيج.
لا تلام الشخصية العامة على سلوك ينسجم مع ادبياتها ومن غير المنصف أن تتحمل مسؤولية ما يفعله زعران وأشقياء وأشرار سواء حملوا لواء الإسلام او لديهم أسباب أخرى.
لا يمكن تأييد منع انعقاد اي ندوة وفي اي وقت بقرار من وزارة داخلية.
ولا يمكن تفهم الجريمة البشعة التي تعرض لها الزميل قنديل خصوصا انه ورفاقه في المنظمة المعنية لم تتح لهم فرصة الشرح والتوضيح.
بالمقابل من الصعب قبول القاء الإتهامات جزافا سواء على رئيس الوزراء او على وزير الداخلية او حتى على مثقفة برلمانية اسلامية (ديمة طهبوب) ارتابت بالندوة ورفضت انعقادها وتصرفت بصورة دستورية عندما ابلغت وزارة الداخلية بالأمر.
مقلق جدا أن ينحط التفاعل الفكري إلى مستوى شفرة حلافة وولاعة والكتابة على لحم يحترق وان يعتقد اسلاميون وعلمانيون انهم فقط يملكون الحقيقة والحق.
اختيار «عناوين مثيرة للضجة ومستفزة» لندوة يفترض أنها علمية وفلسفية وبصيغة تأزيمية ثم إدعاء التغافل والجهل سلوك مقلق ايضا بالمقابل وقد ينطوي على عدة شبهات وإن كان لا يبرر في النتيجة الجرائم.

المصدر
القدس العربي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق