مقالات وآراء

في معية السؤال الأهم: هل الأردن ضد «صفقة القرن» فعلاً أم في انتظارها؟… تواصل «حمساوي» وحيرة «إخوانية» تجاه البلاد

حسناً.. توجه قيادة حركة حماس الرسالة الثانية للأردن، فبعد إسماعيل هنية عندما أيد موقف الملك عبد الله الثاني من المستشفى العسكري الميداني في غزة، اختار خالد مشعل منبراً تركياً ليعيد تكرار رسالة التـضامن الحمسـاوية مع الأردن.
لكن خلافاً للعبارات المختصرة والواضحة التي صدرت عن هنية، يقرر مشعل توسيع الجرعة السياسية قليلاً فيتحدث عن وقوف الحركة مع ملك الأردن في موقفه العلني دفاعاً عن الثوابت الفلسطينية. ويستخدم مشعل عبارة «تجويع الأردن»، ثم يقول بأن المملكة الأردنية الهاشمية أكثر طرف مستهدف من صفقة القرن، والهدف نزع دورها في المسجد الأقصى. حتى الدوائر الأردنية الرسمية لا تقول، وهي تتحدث عن صفقة القرن المجهولة، ما قاله المواطن الأردني سابقاً، الذي سحبت جنسيته منه والزعيم السياسي حالياً في حركة حماس خالد مشعل، ومن منصة تركية.

بعد هنية من غزة… مشعل من تركيا ورسالة «تقارب» إلى عمان

بمعنى أن جرعة التسييس كانت كبيرة. وذلك لا يحصل بالعادة بدون هدف محدد، والأهم أن مشعل لا يكتفي بالقول، بل يتدخل وبقوة وعدة مرات مع رفاقه في جماعة الإخوان المسلمين الأردنيين، ناصحاً بإكمال المصافحات والمصالحات مع الدولة الأردنية وبالتهدئة، وناصحاً أيضاً- وهذا الأهم- بتجنب النزول للشارع والمشاركة في فعاليات المعارضة الأردنية.
نصائح مشعل هنا أبلغها هو شخصياً لسياسي أردني رفيع المستوى تواصل معه مؤخراً، وتلقى مسؤول أمني أردني كبير اتصالاً تجاوب معه من مشعل.
لكنها نصائح أثارت الجدل والتجاذب حتى داخل قيادات الحركة الإسلامية الأردنية المنقسمة، عندما يتعلق الأمر بحراك الشارع المحلي ضد النهج والأسعار والضرائب إلى تيارين. المفارقة السياسية والأمنية هنا أنه تم إقصاء الإخوان المسلمين في الأردن واستهدافهم على مدار سنوات استناداً إلى تعاملهم وتواصلهم مع حركة حماس غير الأردنية.
والمفارقة الأكبر أن حركة حماس معزولة تماماً سياسياً في الأردن، وتوصف إجرائياً بأنها تنظيم غير أردني، والتبرير الرسمي لاستهداف الإخوان المسلمين استند أصلاً إلى تشابك العلاقة بينهم وبين حركة حماس.
هنا حصرياً تبرز ملامح الازدواجية في الانتقاء الرسمي الأردني، فخالد مشعل ورفاقه يحظر عليهم التواصل مع النسخة الأردنية من جماعة الإخوان المسلمين. لكن العلم بتلك النصائح والتدخل لصالح الدولة الأردنية «مرحب به» في الوقت نفسه.
الملاحظون على خالد مشعل من قيادات جبهة العمل الإسلامي، نقدياً، بدعوى تدخله المتعدد والدائم لا يفسرون تلك الازدواجية الرسمية. الخلاف شديد بين أقطاب الحركة الإسلامية بعنوان: ندعم موقف الدولة والقصر ضد صفقة القرن.. لكن السؤال الأهم داخلياً هو: هل نبقى خارج الحراك الشعبي أم نشارك فيه؟
وجهة نظر مشعل على شكل نصيحة مفهومة هنا. لكن المراقب العام الحالي لجماعة الإخوان المسلمين، الشيخ عبد المجيد الذنيبات، بدا منفعلاً قليلاً مؤخراً وهو يلوم شخصيات رسمية على أنها لا تساعده شخصياً في ضبط الإيقاع الداخلي لكوادر الحركة الإسلامية، ملمحاً إلى أن هذه القواعد قد تنقلب عليه العام المقبل وتزيحه عن موقعه بصفته من أبرز رموز الاعتدال إذا لم تتقدم السلطة بخطوات محددة تساعد قليلاً رموز الدعوة في البيت الإخواني للبقاء بعيداً عن الحراك الشعبي، خصوصاً في شهر رمضان الوشيك.
التلميح هنا واضح، فالحد الأدنى من المطلوب حكومياً حتى يمتنع الإخوان المسلمون عن المشاركة في وصلة الربيع الأردني القريبة هو على الأقل إعادة مقرات الإخوان المسلمين المخطوفة منهم للجماعة، ورفع يد لجنة حكومية عن جمعية المركز الإسلامي الضخمة، حتى يصبح المناخ مواتياً لأن تخفف الدولة من قبضتها، وبالتالي يتم تبرير مقاطعة الحراك الشعبي والامتناع عن المشاركة فيه. تلك قصة بطبيعة الحال لا يبدو مشعل معنياً بها.
لكن ظهوره مجدداً في مشهد تركي يتضامن فيه مع ملك الأردن لا يؤدي حتى اللحظة إلى تغييرات ملموسة وحقيقية على صعيد نقل ملف حركة حماس في الأردن من التصنيف الأمني إلى المستوى السياسي.
بمعنى آخر، تبالغ قيادات حماس في محاولة التشبيك والتواصل على أمل بناء شكل من أشكال العلاقة، والاعتراف سياسياً على الأقل بها في الحالة الأردنية بدلاً من البقاء في دائرة الشرعية الفلسطينية، تجنباً لإغضاب السلطة الوطنية والرئيس محمود عباس.
المشكلة التي تواجه نمطية الغزل الحمساوي، وبالتالي الإخواني الأردني، هي أن سلطات القرار في المملكة من الناحية العملية تعلن بأنها لا تعرف شيئاً عن صفقة القرن، وبالتالي لا يوجد موقف رسمي محدد وواضح من هذه الصفقة أو من أي من تفاصيلها إذا ما سقطت من حسابات التحليل اعتبارات التقدير المسبق والتكهن.
يعني ذلك باختصار أن بعض الإسلاميين في عمان وقادة حركة حماس يساندون الأردن الرسمي في موقفه من صفقة لا تقول الحكومة الأردنية عملياً ولا بأي شكل من الأشكال إنها ضدها أو إنها تعرفها أصلاً، ما يجعل الجهد التطوعي لمشعل وذنيبات وآخرين في مستوى التشكيك بالإنتاجية.
السؤال الأهم هنا، هل الأردن الرسمي ضد صفقة القرن فعلاً أم أنه بانتظارها؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق