مقالات وآراء

نصيحة كيري للأردنيين: «لاعبوهم وماطلوهم»… لماذا أقيل الجندي وأبعد الدباس؟ وخفايا كوشنر في ضيافة «الوصي»

ساسة عمان يقررون «الرزق على الله» والدولة «لا تتحدى» لكن «تعزل نفسها» عن «الصفقة»

 كانت بوضوح معادلة تتقمص قدر الإمكان التوازن، لكنها مغرقة في «الدقة» وتجنب «مواجهة مفتوحة».
لم يقل الإعلام الأردني، بشقيه الرسمي والأهلي، شيئاً عن زيارة كوشنر «الناشفة» تماماً بروتوكولياً باستثناء استعراض البيان الرسمي الذي يؤكد فيه عاهل الأردن على «ثوابته العلنية»، وهي العودة لحل الدولتين ودولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
«ذلك الحد الأدنى لعملية سلام تقبله الأجيال المقبلة في الأردن وفلسطين»… قالها الملك عبدالله الثاني لكوشنر ورفاقه مباشرة على طاولة مستديرة خلت حتى من «شربة ماء» حفاظاً على أجواء شهر الصيام.
لكن قالها الإعلام الأمريكي نيابة عن الجميع، حيث كشفت «سي إن إن» بأن ملك الأردن رفض الالتزام بحضور ورشة عمل المنامة المثيرة للجدل، ثم سرعان ما تصدرت تغريدات كوشنر التي تلمح إلى أن «تل أبيب هي الوصي على كل القدس».

في الهوامش انشغل مستشارون كبار في لفت نظر الطاقم الأمريكي لأن قواعد اللعبة تغيرت قليلاً من اللحظة التي أقال فيها القصر الملكي شخصيات كانت تدير الاتصالات مع الأمريكيين بخصوص ملفي الإخوان المسلمين والقضية الفلسطينية.
هنا يمكن استذكار العملية المفاجئة التي قرر ملك الأردن تفعيلها قبل خمسة أسابيع عندما أبعد مدير المخابرات الأسبق عدنان الجندي، وقلص صلاحيات كبير مستشاريه منار الدباس، وكلاهما «اشتغل لأكثر من عام» مع طاقم أمريكي استشاري.
على الطاولة الصغيرة التي استقبلت كوشنر، جلس وزير الخارجية أيمن الصفدي، والمستشار الجديد الأبرز في مؤسسة القصر الدبلوماسي المخضرم الدكتور بشر خصاونة، والسفيرة في واشنطن دينا قعوار. وفي موقع أبعد، يراقب المستشار كمال الناصر أحد العاملين السابقين في حملة الرئيس أوباما.
قبل ذلك، كان خصاونة يرد على استفسار أحد المستشارين الأمريكيين، مشيراً إلى أنه بانتظار «التوجيهات والتعليمات الجديدة».
في مربع رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز، لا تعليق من أي نوع على كل ما يجري في المنامة والرباط وعمان.
وفي مستويات مطلعة من مجلس الوزراء، يضع وزير مهم جداً في أذن «القدس العربي» مباشرة، الهمسة التالية: الطاقم الأمريكي الذي يدير الأمور مجنون وجاهل… يريدون «توريطنا» في الضفة الغربية.. ذلك لن يحصل أبداً قبل أو بدون «دولة فلسطينية»، لأن «أي مليارات» هنا لن تكون مفيدة ولن تساعد عندما يتعلق الأمر بالعبث بهوية الدولة الأردنية والقضاء على احتمالية وجود دولة فلسطينية.
ختم الرجل مكاشفته بما يلي: «لا مصلحة لنا بهذا الخيار الانتحاري ..ومالياً، الرزق على الله».
في الأفق الأردني ثمة معطيات تقول بأن عمان تصر على الإصغاء لنصائح خاصة يقدمها خصم الرئيس ترامب الأبرز في المعادلة الأمريكية سياسياً، وزير الخارجية الأسبق جون كيري، الأمر الذي يبرر عملياً استدعاء سفيرة المملكة في واشنطن لحضور الاجتماع الناشف مع كوشنر في عمان.
المنقول عن كيري تحديداً أردنياً نصيحة تقتضي «ملاعبتهم ومماطلتهم قدر الإمكان» والحديث عن طاقم ترامب «الجاهل» بالقضية الفلسطينية والمنطقة، كما وصفه مرة الوزير الصفدي.
كيري تحدث أيضاً عن ضرورة عبور شهرين هما تموز وآب، على أساس أن نتنياهو لن يستطيع تشكيل حكومة، وقد يخضع لمحاكمة في غضون أسابيع، وأن مؤسسات الولايات المتحدة العميقة ستدخل مع نهاية شهر أيلول/سبتمبر في تحضيرات العام الجديد، وبالتالي الانتخابات الجديدة حيث لا تتقرر «ملفات كبيرة».
يبدو أن ثمة حلقة آخرى مهمة يراهن عليها الأردن في إبعاد سيناريوهات «التوريط في الضفة الغربية» تعمل خلف إدارة ترامب، وتحديداً في مجلس النواب، لتفعيل بند «الأصدقاء».
حاول كوشنر في عمان لفت الانتباه إلى أن إدارته مهتمة بالوضع المعيشي والاقتصادي للفلسطينيين والأردنيين، ناصحاً بالتفاعل ومحاولاً طمأنة عمان على أن «الملفات الكبرى والأساسية»، باستثناء القدس، لن تحسمها صفقته المزعومة، وعلى أن الترتيب له علاقة ببرنامج «تنمية اقتصادية» يتعامل مع «الوقائع» كما هي، والأردن «لن يخسر شيئاً».
ناور الأردني في المقابل بأزمة تشكيل حكومة نتنياهو، وفوجئ الوفد الأمريكي بصلابة الموقف الأردني المستند إلى ضرورة العودة قبل كل شيء إلى المربع الأول، حيث «حل الدولتين» الذي تقبله أوروبا والعالم.
ببساطة، يمكن الاستدلال بأن البضاعة التي حضر كوشنر ووفده إلى عمان لبيعها كسدت بسرعة، ومن خلال «السيناريو الإعلامي» الأمريكي الذي أعقب وقفة كوشنر، وليس لأن الأردن قرر «التحدي والمقاومة» بل لأن البضاعة نفسها غير منطقية وصعبة التسويق.
لكن في المقابل، لا بد من ملاحظة ورصد المؤثرات الجانبية التي تقول بأن الأردن «يفضل ولا يتحدى» وقرر «عزل نفسه» قدر الإمكان عن ملامح «الصفقة إياها» دون تحمل كلفة عزلها وإعلان الحرب عليها.
هنا حصرياً يمكن ملاحظة أن عمان استقبلت كوشنر وسمعت منه وأبلغته رغم أن الشارع كان يطالب بطرده. وعمان قبل ساعات من حضور كوشنر كانت تمنع «أمنياً» الإسلاميين من إقامة صلاة التراويح قبالة مقر السفارة الأمريكية الخالية من «سفير» في العاصمة.
وعمان أيضاً تعاونت بنسبة «100%» مع السيناريو الأمريكي في سوريا والعراق، ولا تزال تكمل مشاريع البنية التحتية والتنسيق الأمني مع إسرائيل، ومستعدة للعودة إلى الحضن السعودي دون تكليف بحضور الملك شخصياً لقمتي مكة.
باختصار، لا يتعلق الأمر بـ «الواقعية» ولا إعلان الحرب على أي خطة أمريكية، بقدر ما يتعلق برسالة أردنية تقول ومن داخل الولاء السياسي للمحور الأمريكي لطاقم كوشنر.. «خطتكم سيئة ولا مستقبل لها»، ورسالة أخرى تقول: «لن نشارك في الحفلة من جهتنا.. أقيموها بعيداً عنا، وحاولوا من دون تورطينا».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق