اراء و مقالات

القواعد العسكرية الأمريكية و«فائض القوة» الأردنية: رهان… وهم أم مجرد «انخراط»؟

عمان – «القدس العربي» : أي رهان سياسي أردني على فائض القوة والمكانة والدور الذي توفره قواعد عسكرية أمريكية في الداخل الأردني خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالزاوية المرتبطة بالقضية الفلسطينية وتداعياتها، يمكنه أن يتحول ببساطة إلى رهان في غير اتجاهه الصحيح، أو إلى عبء سياسي ضاغط على القرار السياسي الأردني ما لم تُدَر العلاقة مع الإدارة الأمريكية ومؤسساتها أو مع إسرائيل المجاورة وتحرشاتها في إطار من الرشد والعقلانية، وبناء سلسلة أصغر من الرهانات الواقعية وسط انطباع بأن المضي قدماً بعلاقات استراتيجية جداً مع الإدارة الأمريكية خصوصاً في المجالات الدفاعية والأمنية والعسكرية يمكنه أن يحقق فائضاً من القوة والدور الإقليمي للمملكة الأردنية الهاشمية، حتى في مواجهة اليمين الإسرائيلي سواء على صعيد تحرشاته أو حتى على صعيد أحلامه ومشاريعه التي يمكن أن يخطط لها مستقبلاً.
ذلك تبدو عمان إلى حد كبير مطمئنة إلى أن ما يجري في إسرائيل قد لا يكون أكثر من مجموعة متطرفين موتورين يسعون إلى تأزيم المشهد، لكن مؤسسات العمق الأمريكي ليست معهم ولن تكون بقدر ما هي مع مصلحة استقرار وبقاء الأردن ودوره الأساسي، وبقدر ما مؤسسات العمق الإسرائيلي أيضاً ليست معهم.
تلك إشكالية في الرهان على الوجود العسكري الأمريكي وما يعنيه ويؤسسه من دلالات سياسية مباشرة وإيحائية، تبقى ملتبسة عندما يتعلق الأمر بإجراء جردة حساب عميقة بعدما أخضع وزير واحد متطرف في حكومة إسرائيل هو إيتمار بن غفير، الوصاية الهاشمية الأردنية في القدس وعلى أوقافها الإسلامية والمسيحية إلى اختبار كان يمكن الاستغناء عنه.
تلك كانت إعادة استعراض للفكرة التي تنبأ بها من باب التحليل المحلل الاقتصادي والسياسي المتابع الدكتور أنور الخفش وهو يقرأ بمعية «القدس العربي» سلسلة الحزمة الاستراتيجية التي قفزت بموجبها العلاقات الأردنية الأمريكية ابتداء من العام الماضي باعتبارها صفحة في حماية الدولة الأردنية.
وكانت أيضاً لفت نظر الموتورين والمتطرفين في اليمين الإسرائيلي إلى أن مصالح الأردن الأساسية ودوره قيد التأمين الأمريكي.
ومن ثم يقف الخفش وغيره من المراقبين السياسيين مع تلك النظرية التي تفترض أن العلاقات الدفاعية الأمريكية – الأردنية بما تعنيه من أدوار وتفاصيل، أقوى بكثير من أي مغامرات يمكن أن يفكر فيها اليمين الإسرائيلي بالتمدد والزحف على حساب الأردن، أو حتى مما يمكن أن يفكر فيه يمينيون أمريكيون في الواقع إذا ما عادوا للحكم في وقت لاحق على غرار نسخة أو تجربة الرئيس الأسبق دونالد ترامب. ما يقصده مثل هذا الطرح واضح الملامح، وهو أن مغامرات وأحلام اليمين الإسرائيلي لا تجد أذناً صاغية لدى المؤسسات الأمريكية إذا ما تعلق الأمر بإعادة تغيير المشهد في الأردن، بمعنى السعي فعلاً للوطن البديل. لكن مجدداً، هذا مجرد رهان يراه البعض نمطاً من أشكال الانخراط الأردني في مخططات أمريكية وإسرائيلية حمالة أوجه.
وتعبير الانخراط هنا استخدمه السياسي المخضرم طاهر المصري علناً مرتين على الأقل مؤخراً وفي شروحات خاصة لـ»القدس العربي» حذر من أن هذا الانخراط له علاقة بالدور أكثر مما له علاقة بشراكة حقيقية يمكن أن توفر الحماية للمشروع الأردني من طموحات أي مغامرات يمينية إسرائيلية مستقبلاً.
والالتباس هنا شديد، فسياسيون كبار من بينهم المصري وممدوح العبادي ومروان المعشر وغيرهم، يعيدون التذكير والتحذير بأن اليمين الإسرائيلي فكرته قائمة على مشروعية «أردنة» مشكلات الضفة الغربية السكانية أو نقل الأزمة للأردن وتطبيق معايير درعا مشكلة أردنية في الملف السوري، بالإضافة إلى أن أدبيات ونصوص ومواثيق حزب الليكود مثلاً معادية جداً للدولة الأردنية وللنظام الأردني، وتؤمن بالنظام البديل أو بالوطن البديل.
لذلك، وفي إطار اعتبارات قراءة سياسية حساسة جداً، لا بد من الوقوف عند السؤال الذي تحاول نخب عمان تجاهله تماماً بعنوان مآلات الرهان على علاقات دفاعية، لا بل عسكرية واستراتيجية مع الولايات المتحدة في سياق برنامج اليمين الإسرائيلي المتطرف في الاعتداء على مصالح المملكة الأساسية. وهو برنامج لا يمكن إنكار تحرشاته المبكرة، خصوصاً أنه بدأ بسيناريو استهداف الوصاية الهاشمية في القدس والمسجد الأقصى.
لا أحد يريد الغوص في البحث عن تقديم إجابة منطقية لهذا السؤال؛ لأن الرهان بطبيعته مغامرة ما عندما يتعلق الأمر بالانحيازات والألعاب السياسية، ولأن المخزون التراثي للذاكرة السياسية يقول بأن شكل ونمط وتأطير العلاقات التحالفية وحتى العسكرية وما ينتج عنها سياسياً يمكن أن يخضع للتأويل والتغيير والتبديل ويتخذ شكل الإدارة الأمريكية التي تكون ناشطة وفاعلة وقيد العمل بدلالة أن صفقة القرن شكلت ضغطاً شديداً على العناصر الأردنية بالرغم من كل ما يقال أو قيل عن علاقات سياسية.
وهو أمر يعني أن الرهان على العلاقات الأمريكية الأردنية الاستراتيجية في مسألة الفارق ما بين الانخراط في دور محتمل تعد إسرائيل أصلاً جزءاً منه، وما بين الاستظلال بحماية الأمريكيين حتى من اليمين الإسرائيلي- ينبغي أن يظهر كمساحة واضحة الملامح في الفوارق في إطار الحسابات الأردنية بعد الآن وبعيداً عن الأوهام بطبيعة الحال.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading