اراء و مقالاتمقالات وآراء

«أرمينيا» بعد «ليبيا»… بوصلة الدبلوماسية الأردنية وسؤال الموسم: هل سقطت نظرية «نحن على مسافة واحدة»؟

 

كانت طوال عقود النظرية الأكثر صلابة وثباتاً في إدارة الدبلوماسية الأردنية. صمدت نظرية «نحن على مسافة واحدة من الجميع» عندما يتعلق الأمر بالبوصلة الدبلوماسية الأردنية إلى حقبة طويلة من الزمن. قبل أن تخضع للمراجعة في الأسابيع القليلة الماضية تحت وطأة التحالفات الديناميكية والاصطفافات المرنة، تظهر فجأة، بصفة غير رسمية وعبر منصات التواصل، عناصر الاشتباك مع الصراع الأذربيجاني الأرمني.
لا يعرف الرأي العام الأردني حقيقة أي شيء، ولا يهتم بمعرفة أي شيء له علاقة بالصراع بين أذربيجان وأرمينيا، لكن ذلك لا يعفي الأردن على الأقل من كلفة الجدل الناتج عن تسريب نبأ لم ينف رسمياً فكرته استدعاء السفير الأردني في أذربيجان ومناقشة ما يتردد حول انحياز بلاده إلى أرمينيا.
تماماً كما حصل في تفاصيل الصراع الليبي المعقد، حيث تسريبات ومعلومات لها علاقة بأسلحة يتم بيعها أو تصديرها. وحتى اللحظة لا يوضح وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أي ملابسات لها علاقة بما تلوكه وسائل الإعلام عن دور منحاز لأحد أطراف الصراع في ليبيا وبصورة مستجدة وغريبة نوعاً ما تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي اليوم بتعليقات تستغرب وجود أي علاقة للأردن بالصراع الأذري الأرميني.
يبدو أن الحكومة الأردنية لا تملك رواية محددة حول ما تلتقطه أو تشيعه منابر الإعلام هنا أو هناك، فالتمحور حتى برأي المفكر السياسي عدنان أبو عودة شرس وعميق وكبير في الإقليم والعالم والمنطقة، والاصطفاف في التحالف السياسي له كلف بكل الأحوال، لكنها كلف من المرجح أنها مرسومة ضمن التوقع العام على الأقل في الملف الليبي قبل الجدل بالأرمني، حيث تصريح شهير ومباشر من النوع الذي كان من يمكن الاستغناء عنه دوماً لوزير الخارجية الصفدي يدعم فيه مبادرة الرئيس المصري دون إنذارات مسبقة مع أنها مبادرة تعترض عليها الحكومة الشرعية في ليبيا ولم تحضرها وليست طرفاً فيها مما يؤدي بالنتيجة في أحد التداعيات الصغيرة إلى امتناع حكومة الوفاق عن دفع أموال هي عبارة عن ديون عليها لقطاع المستشفيات الخاصة الأردنية.

الركض إلى الوراء برفقة المحور المصري – الإماراتي بدأ يثير أسئلة في الداخل

في كل حال، عملية الركض إلى الخلف ظاهرة في بوصلة التحالفات الأردنية لكن دون عنوان واضح وبصيغة دفعت بقاعدة «المسافة الواحدة» إلى الوراء أو إلى الذوبان، فالأردن تحت وطأة الاستعصاء الأمريكي والنكران السعودي والتحرش اليميني الإسرائيلي يناور سياسياً في العديد من الزوايا الضيقة.
تلك مناورات حمالة أوجه، وبرأي سياسي مخضرم من وزن طاهر المصريأ لا بد من الانتباه دوماً إلى ضرورة الحفاظ على مواقف محددة ومرسومة تراعي المصالح وتؤمن بالتنوع والتعدد، لكن دون تغذية سلبية راجعة. ما الذي يعنيه مثل هذا الكلام؟
لا أحد حتى اللحظة على الأقل يستطيع تقديم إجابة شافية وافية، لكن التنويع في التحالف والتواصل على المستوى الدبلوماسي توقع كثيرون أن يذهب في اتجاه تركيا وبدرجة أخف في اتجاه إيران مثلاً، إلا أن ذلك لم يحصل مع أنه كان ينبغي أن يحصل برأي الوزير السابق والخبير الدكتور طالب الرفاعي الذي يصر بكل مساجلاته على ضرورة الانتباه إلى أن أفق ومصالح الأردن في الجوار قبل أي اعتبار آخر، وإلى أن اتجاه البوصلة نحو التواصل مع الجار السوري تحديداً فيه نضج أكبر يحمي المصالح. لكن بدلاً من التقارب مع تركيا أو إلقاء ولو تحية دبلوماسية على إيران، وبدلاً من الانفتاح أو المصالحة مع النظام السوري وبناء رهانات مع حكام العراق الحالي، تتحول الدبلوماسية الأردنية إلى عمل بالقطعة والتقسيط مع هذه الأطراف، ويؤسس التقارب الكبير والتحالف شبه الاستراتيجي مع الخيارين المصري والإماراتي، تحديداً إلى حالة لا تضمن بقاء الأردن على مسافة واحدة طوال الوقت، خصوصاً في ملفات الصراع الإقليمية البعيدة أو الأبعد. وتؤسس مشاركة الأحضان مع الخيارين المصري والإماراتي ليس فقط إلى مستجدات في ترتيب المشهد الداخلي أحيانا، ولكن إلى اتجاهات تبدو صعبة ومعقدة في ملفات مثل ليبيا أو أرمينيا مما يعني المزيد من الاصطفاف والكلف من كل الأصناف.
طبعاً لا يملك أحد شرعية التشكيك بالدوافع، ولا يمكن مناقشة حيثيات وحسابات المصالح في بوصلة القرار الدبلوماسي. والأهم هو أن تتحدث المؤسسة مع فعاليات الداخل لتشرح وترد وتنفي وتوضح للناس والرأي العام حتى ينحسر التشويش وتتقلص الروايات السلبية المضادة أولاً. وثانياً من المهم جداً أن تنعكس بوصلة التحالف الدبلوماسي والسياسي على إيقاع وحياة الأردنيين الاقتصادية لأن أحداً في الداخل لا يزاحم أصلاً البوصلة ولا يفتي بشأن اتجاهاتها، وإن كان الجميع يريد مكاسب وعوائد من الواضح أنها تتأخر أو لا تأتي وقد لا تكون متاحة أو موجودة للأسف.
في الخلاصة، يمكن القول وببساطة بأن الأردن لا يحتاج لتحمل كلف مغامرات الآخرين في ساحات إقليمية صدامية ومتوترة دون أن يحصل على عوائد ومكاسب اقتصادية.
وبأن نظرية المسافة الواحدة كانت تشكل دوماً مكسباً للجميع في الماضي وعندما يتم إسقاطها بصورة جزافية ومتراكمة ينبغي أن يحصل ذلك ضمن استراتيجية خبيرة وعميقة تدار عبر أدوات خبيرة وتتميز بنفس العمق في حسابات المصالح.
تسقط وبوضوح نظرية المسافة الواحدة في البوصلة الأردنية الدبلوماسية. والأهم أن ذلك يحصل مع تشويش كبير في الأطراف واجتهاد في بعض المغامرات ودون شرح يستطيع تجنيد الرأي العام والشارع خلف الموقف السياسي بصرف النظر عن الاتجاه الذي يذهب إليه.. تلك معادلة في ميزان المصالح والبوصلة تحتاج لمقاربة وقراءة جديدتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق