اراء و مقالاتمقالات وآراء

أسوأ ما يمكن أن يحصل بعد «ألغاز الهندسة»… الأردن: مشاريع «تقمص واستنساخ» لتوليفة الانتخابات في «المجتمع المدني»

 

 لا أحد حصرياً في دوائر القرار الأردنية يمكنه الادعاء بعد الآن بأن هندسة الإقصاء التي برزت بثقل غريب خلال الشهرين الماضيين يمكن ضبطها دوماً أو منعها على الأقل من استنساخ ذاتها وفرض بصماتها على ما هو أبعد وأعمق وأوسع من برنامج تداول المناصب والمواقع والوظائف فقط.
أصبح ذلك، سياسياً ووطنياً وإعلامياً أيضاً، من الألغاز التي تحتاج إلى تفكيك. وأصبح ذلك في الوقت نفسه، أحد التحولات الدراماتيكية في الذهنية التي تدير الأمور الآن، ليس في نطاق السلطة ومؤسساتها حيث الإقصاء منهجي ومبرمج وتحت السيطرة، ولكن – وهذا الأهم بكثير- في نطاق مؤسسات أهلية وأخرى نقابية وثالثة اجتماعية، بدأت تزحف وهي تستنسخ تجارب ما فعلته السلطة والحكومة على أكثر من صعيد، الأمر الذي لم ينتبه له كل من يحاول التنظير لفكرة التجديد لكن داخل مراكز الثقل الاجتماعي المألوف.
ما وثقته «القدس العربي» وفي أكثر من مسار مؤخراً هو بروز حالة تريد سحب ما حصل من رسائل واستنتاجات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على مؤسسات المجتمع المدني أيضاً، وأحياناً على شركات وقطاعات في منزلق سياسي وطني جديد، يتواطأ أصحاب القرار في المستوى التنفيذي على الادعاء بأنه خارج نطاق الانتباه. قريباً جداً يفترض تدشين مواسم انتخابات النقابات المهنية على سبيل المثال.

الاستثمار متضرر والجميع يراقب و«المحاصصة» تعيد إنتاج نفسها نقابياً

على الأقل في نقابة المقاولين مثلاً ثمة من يقول بأن المحاصصة المكوناتية اليوم في تمثيل الهيئات النقابية للقيادة، ولاحقاً على الأرجح في حصة العطاءات الحكومية، وكل حصص أسواق الإنشاءات.. ينبغي أن تبرمج على أساس الرسائل الإقصائية والهندسية التي برزت للجميع ويتم الآن التنظير لها بعد انتخابات 2020.
الزحام شديد مجدداً على فكرة محاصصة التمثيل واعتبار إقصاء مكونات اجتماعية وأخرى مهنية أنموذجاً ينبغي أن يحتذى في إطار أجندة مصالح تتزاحم وهي تدعي الحرص الوطني. في المجالس التي تدير الجامعات أيضاً تنمو تلك الأسطوانة التي تعتبر الإقصاء هو النموذج المعتبر اليوم، وتنمو أيضاً في مواقع أخرى لم تنتبه لها السلطة، مثل نقابات مهنية مهمة كالمهندسين والأطباء، وقد تنتقل وهي تفعل لكن ببطء إلى مجالس الإدارة التي تدير شركات الحكومة في ظل نمو النزعة التي تتقمص حالة وهمية تزعم بأن الأردن مستهدف، والرد على هذا الاستهداف ينبغي أن يكرس قناعة بأن شرائح محددة في المجتمع هي التي ينبغي أن تحظى بمواقع الصف الأول في كل الاتجاهات.
تلك، بطبيعة الحال، نظرية قديمة كانت تعتبر بمثابة المرض المستفحل الأكبر في الإدارة الأردنية، لكن إسقاطها اليوم في وجدان بعض الأفراد والمجموعات يخلط الكثير من الأوراق وبدون مبرر، والأهم في الاتجاهات المعاكسة لاستراتيجيات الدولة العلنية، بعدما أصبحت نتائج الانتخابات الأخيرة مثالاً يفترض أن يحتذى. تتغذى هذه السلبية في التفكير اليوم على تجاذبات وإحباطات الانتخابات الأخيرة، لكنها تتغذى أيضاً على غياب ما يسميه رموز العمل النقابي بالإصرار والعناد على تجاهل دور النقابات المهنية، كما حصل مع الأحزاب السياسية. حيث إن استهداف الوطن عندما يكون مرسوماً ومعادياً – بتقدير نقيب المهندسين النشط أحمد سمارة الزعبي- يتطلب حرصاً على تفعيل الشراكة في أوصال وأوساط المجتمع.
النقيب الزعبي، وكما فهمت منه «القدس العربي» يصر على أن النقابات المهنية بيوت خبرة عتيقة ومهمة، وينبغي أن يعاد النظر في الموقف السلبي منها لصالح شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع الأهلي والمدني، تستفيد منها الدولة والمواطن معاً في المحصلة.
حمى التمثيل الإقصائي، إذا جاز التعبير، تزحف ببطء اليوم وتحاول التوسع في واحد من أسوأ تداعيات نمو نظرية الارتياب بالمكونات الاجتماعية وهوس تغيير الوجوه والأدوات والرموز. وهو تغيير مطلوب بكل حال، ويصبح جذرياً وعميقاً ومهماً، كما يقدر قيادي في الحركة الإسلامية الشيخ مراد العضايلة، عندما ينطلق من مفهوم وطني أشمل وأعمق للإصلاح والتغيير الإيجابي، ولا يقف عند إثارة مظاهر الاحتقان والتراجع عن الديمقراطية والإصلاح بشكل يعزز الانقسامات في المجتمع.
يرتاب الشيخ العضايلة مع غيره من كل مؤشرات الهندسة غير المفهومة، لكن قليلين من العميقين في النخبة السياسية يطلقون الإنذار المبكر بعد رصد عدة حالات خارج الصف الرسمي تحاول الاستعارة من نمطية المحاصصة التي جرت مؤخراً في مجلسي الأعيان والنواب، وحتى في مجلس الوزراء، لصالح وضع المواقع والوظائف والتمثيل بحضن أدوات وألوان دون غيرها.
ويرى، بطبيعة الحال، خبير اقتصادي مثل محمد الرواشدة، بأن أسوأ ما يمكن أن يحصل في الاستثمار والاقتصاد الوطني هو شعور بعض المستثمرين بأن الأجواء غير مريحة، وبأن المسطرة قد لا تكون منصفة، مؤكداً أن كل الاقتصاديات الفعالة والناجحة مرة أخرى تهتم بالاستثمار الوطني والمحلي والمتوسط والصغير، وتمنحه الأولوية قبل الاستثمار الأجنبي أو الضخم والكبير.
المعادلة الاستثمارية هنا مختلة، برأي الرواشدة، إذا ركزت فقط على تسهيلات الاستثمار الضخم أو الكبير. وكل من يعمل في قطاع المال والأعمال يدرك مسبقاً بأن المستثمر، بصرف النظر عن هويته، يراقب كل صغيرة أو كبيرة في الخطاب والأداء الرسمي وفي البنية التشريعية، وحتى في البيئة الاجتماعية.
لكن المستثمر في النهاية وبكل بساطة -وفقاً لمقولة شهيرة سمعتها «القدس العربي» عدة مرات من السياسي الدكتور ممدوح العبادي- يريد أن يربح في المحصلة وقبل أي اعتبار آخر. ومسألة التقمص تلك لفلسفة الإقصاء على المستوى العابر للحكومة وخارجها واحدة من الملفات المهمة المسكوت عنها والتي تحتاج اليوم فعلاً إلى استدراك ذكي وحاد يقلل الخسائر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق