اراء و مقالاتمقالات وآراء

إقصاء «تكتيكي» أم «حصار»؟: اليمين الثلاثي يقفز فوق «الجغرافيا الأردنية» والنصيحة الأهم: عودة للداخل

هل هو مجرد إقصاء مؤقت أم «حصار» مدروس بعناية على الأردن؟.. هل تتعلق المسألة ببدء تدشين موسم صفقة القرن على الأرض وفي الميدان بالتزامن مع اتفاقية أبراهام بين أبو ظبي وتل أبيب؟
بدأت مثل هذه الأسئلة تزور بكثافة مع الارتباك الحكومي، وتقلص مساحة الحريات العامة غالبية المحطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأردنية التي تناضل بدورها في اتجاهين بالتزامن.
الأول هو تعاطي مع ما سمّاه رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز بموجة كورونا الثانية، مع أن منظمة الصحة العالمية لم تتحدث بعد عن تلك الموجة، وموعدها المقترح كان الخريف المقبل، وفقاً لما يلاحظه نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور محمد الحلايقة.
الثاني هو الاتجاه الذي يتخذ شكل أزمة مالية واقتصادية، وقد عبر عنه وزير المالية الدكتور محمد العسعس شخصياً في آخر ظهور إعلامي له، متوقعاً ميزانية صعبة العام المقبل، وسط حالة من وقف الرهان على جمع مبالغ حقيقية تحدث فارقاً بعد تفعيل برنامج المداهمات الضريبية وملاحقة طبقة من رجال الأعمال.
ويصر كبار الساسة على أن الأزمة الأردنية في أصلها وجذرها سياسي بامتياز. ويعتقد خبراء الاقتصاد بأن تلك المعطيات السياسية الإقليمية المأزومة ستقود إلى العام الاقتصادي الأصعب في ميزانية 2021، ويؤكد هنا المستشار الاقتصادي محمد الرواشدة عبر «القدس العربي» مجدداً بأن الحذر واجب، لا بل ضرورة وطنية اليوم؛ لأن معطيات الوزير العسعس العلنية مقلقة جداً. برأي أوساط عميقة في دوائر القرار، ثمة صنف من أصناف التحطيم أو التجاهل للدور الإقليمي والجيوسياسي الأردني في مسارات واتجاهات عدة، وثمة تقصير حكومي بحق الذات كما يقدر الحلايقة، لكن سياسياً رفيع المستوى وخبيراً من وزن طاهر المصري يسأل في التحليل: مضايقة.. تهميش وإقصاء.. أم حصار على الأردن؟ التحذير وطنياً واجب اليوم، والرد غير ممكن عبر تمكين مساحات الانغلاق في الداخل بسبب فوضى الارتباك والمعطيات الإقليمية، فاليمين الإسرائيلي يقفز فوق الجغرافيا الأردنية ويتجاهلها.
واليمين الأمريكي، برعاية جاريد كوشنر الذي قال له الأردنيون يوماً بغضب: لا نتحدث لهجتين في القضية الفلسطينية، يدعم حوار التطبيع الخليجي الإسرائيلي المتسارع وبقوة، بدلالة أن كوشنر نفسه سيقود قريباً أول رحلة تجارية من تل أبيب إلى أبو ظبي عبر طائرة ستحلق فوق الأجواء السعودية، ما يعني ضمنياً أنها ستحلق فوق الأجواء الأردنية. وعلى الجبهة السعودية «صمت مطبق» ورقبة طويلة جداً لا تظهر موقفاً، بل استرسال في حياد مقلق تجاه محاولات الالتفاف على الدور الأردني، وصعوبة عند تلك الرقبة في هضم منظومة المصالح الأردنية، مع حياد تجاهها لم يعد يفهمه لا الشارع ولا الحكومة في عمان.
اليمين السعودي يشارك أيضاً في حفلة الحصار السياسي وتداعياته الاقتصادية على الأردن، والهجمة الإلكترونية العاصفة من منصات إماراتية على الأردن والأردنيين بعد حادثتي «تغريدة الأمير وكاريكاتير حجاج» لم ترافقها اعتذارات أو إجراءات مثل تلك التي اتخذت في عمان حفاظاً على حرمة الإساءة إلى دولة صديقة وشقيقة لا تفعل بدورها ما ينبغي للحد من الإساءات في الاتجاه المعاكس.
في كل حال، تنسجم الدولة الأردنية مع تراثها في احترام الآخرين وعدم التدخل بشؤونهم هنا.، لكن ذلك يحصل دون أن تنتظر عمان المقابل في معادلة تزعج حتى الفعاليات الوطنية التي تريد في المحصلة أن ينتبه الآخرون إلى ضرورة عدم المشاركة في حصار للمصالح الأردنية.
بمعنى آخر سياسي أيضاً وبتوقيع ورفقة كوشنر ورفاقه، تؤسَّس تحت عنوان الخوف من إيران جبهة يمينية تطبيعية خليجية لدور على حساب الدور الأردني. ذلك لم يعد من الممكن نفيه، ومن الصعب مناقشته حتى في وسط النخبة المحلية التي تقترح التفاتة عميقة وقوية للداخل، لأنه لا يزال – وفي رأي نقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي- الورقة الرابحة التي لم تلعب بها الدولة الأردنية بعد لإحداث توازن استراتيجي في المعادلة، ودون أن يتطلب ذلك مغامرات أو مجازفات تحت عنوان التنويع في البوصلة الدبلوماسية.
الجناح الدبلوماسي الذي يقوده وزير الخارجية أيمن الصفدي لا يريد الإصغاء لمثل تلك النصائح. والجملة التكتيكية في الهامش الإقليمي أصبحت نادرة بالنسبة للحكومة الأردنية وأطقمها، لا بل تقتصر على الحراك الديناميكي النشط ومحاولات الإصرار المتكررة، تحصيناً للمصالح وحفاظاً على الهوامش من جهة الرؤية الملكية فقط، فيما بقية المؤسسات وعلى رأسها الحكومية غارقة في محليتها ودون إنجاز حقيقي في الواقع أو خاملة في حسابات الأدوات والأفراد.
هذا وضع صعب ومعقد. وقد تكون من المرات النادرة التي يجد فيها الأردن نفسه خارج الدور الفاعل والأساسي في معادلات الإقليم والقضية الفلسطينية، فالصمت السعودي ضاغط، والتطبيع الإماراتي مع إسرائيل خلط الأوراق، والإدارة الأمريكية الحالية ليست صديقة إلى الدرجة المطلوبة، واليمين الإسرائيلي عدو وخصم.
في الأثناء، الشقيقة الكبرى مصر ترسم اتجاهاتها نحو الأردن على أساس المجاملة فقط. وسوريا تعاني العلاقات معها، من الالتزام الأردني الحرفي وغير المصلحي أحياناً بالتعليمات الأمريكية وقانون القيصر، حتى أن القوات الأمريكية تصطحب معها السعودية إلى العمق السوري بعدما قررت عمان موقفها الرافض لأي تدخل مباشر.
وتبقى المعادلة العراقية في منظومة المصالح الإقليمية الأردنية، حيث نجم بغداد الجديد مصطفى الكاظمي -بعد عبوره من محطة واشنطن- يحظى بدلال غير مسبوق أثناء استقباله في مطار عمان، ثم يتجه للتفاهم مع السعوديين بصيغة قد تهدد حتى منسوب التأثير الأردني في المعادلة السنية العراقية. هذا الوضع المربك جراء أي تحولات ومن أي صنف في الإقليم؟.. هذا هو السؤال المطروح الآن، ولا تصلح معه مقولة التقصير بحق الذات فقط، ما ينتج تلقائياً سؤالاً هو الأصعب: إقصاء وتهميش أم حصار؟.. والأهم: كيف ينبغي أن يرد الثقل الأردني؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق