اراء و مقالات

الأردن: احتياجات «عقل الدولة» في مواجهة فاتورة «تغيير العقيدة الحزبية»

هل أصبح المشهد فوضوياً؟

عمان – «القدس العربي»: عبر أسبوع كامل بموجة من الصخب السياسي دون أن توضح السلطات الأردنية مصير تلك القيود التي ستفرض على مشروع التحول للحياة الحزبية بعدما عصفت خطوات ذات بعد آني بمحور تمكين الشباب وبطريقة لافتة للنظر.
انسجاماً مع قسمه الدائم بالولاء له والوطن والملك، كما أبلغ «القدس العربي» مباشرة في وقت سابق، غرد سمير الرفاعي رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية في البلاد، بعبارة مفعمة بالتلغيز، يقول فيها: «القرار شجاع.. في فمي ماء» .

هل أصبح المشهد فوضوياً؟

حصل ذلك في طبيعة الحال قبل تصدر سلسلة مشاورات أعقبتها محاولات لتثبيت وتصليب جبهة وثيقة تحديث المنظومة السياسية، وإعادة الجميع خصوصاً في دوائر القرار لها.
دون تغريدة الرفاعي، لا يوجد رد فعل على الجدل غير المبرر الذي صدم، فجأة، المشتبكين مع تفاعلات التحول الحزبي. والانطباع يكبر بعنوان الاستعصاء السياسي وبعناوين موازية تفترض الإخفاق المبكر في تغيير عقيدة الدولة الأردنية والبيروقراط العميق فيها تجاه مشروع التحول إلى دور متقدم للأحزاب السياسية. هنا تحديداً، برز دور التعديلات الدستورية الأخيرة، ثم اعتقالات الطلاب في ضرب عمق منهجية المنظومة وتحديثها.
ويقر عضو اللجنة الملكية محمد الحجوج، بأن الرسالة تشوشت خصوصاً في جزئية تمكين الشباب. وترجح عضو اللجنة النشطة أيضاً السياسية والبرلمانية الدكتور ديمة طهبوب، بأن التعديلات الدستورية المحولة مؤخراً، لا علاقة لها بتلك التي أقرتها اللجنة، حيث أضافت الحكومة بنداً جدلياً يتعلق بإنشاء وتأسيس المجلس الوطني الأمني. في قياسات ومقاربات الدكتور ممدوح العبادي، لم تكن الخطوة حكيمة ولا مبرر لخروج دستور عام 1952 المتقدم عن السكة الآن.
لكن مثل هذا الجدل يتعاظم وسط النخبة الأردنية، خصوصاً بعدما أعلن الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، في بيان سياسي، بأن التعديلات الدستورية التي أضيفت خطرة، وتؤدي إلى تغيير شكل النظام السياسي من الملكية الدستورية إلى الملكية المطلقة.
هل ذلك المستوى من التغيير المباغت هو الذي دفع لاعباً بوزن سمير الرفاعي للتحدث عن ماء في فمه، أم المسألة لها علاقة بضرب مضمون تمكين الشباب عبر اعتقالات فهم الجميع اليوم، بأنه كان يمكن الاستغناء عنها بكل بساطة؟
لا أحد يستطيع الإجابة نيابة عن الرفاعي، الذي اشتبك وهاجم علناً، لاحقاً. لكن طهبوب تشهد بأن ما تُلي ووافقت عليه اللجنة لم يكن يتضمن تعديلاً دستورياً ارتبط بتأسيس المجلس الأمني الوطني. والحجوج، بدوره، يضيف وباختصار، مشيراً إلى القلق الذي اعترى أعضاء اللجنة الملكية، مع أنهم انتهوا من دورهم، فيما يريد العضايلة لفت النظر مجدداً إلى أن مناخ الحريات هو الضامن للعمل الحزبي والانتخابي والتزام المؤسسات الرسمية والأمنية بعيداً عن التغول والهيمنة والتوسع، وهو الأساس لتلك الضمانة وليس فقط تعديل مشروعي قانوني الانتخاب والأحزاب.
هل أصبح المشهد فوضوياً؟
الإجابة تؤشر على نعم كبيرة حتى الآن؛ لأن الرسائل المشوشة التي تجعل طريق المنظومة وعرة أكثر مستقبلاً، بدأت مع التدخلات التي خلطت الأوراق في انتخابات مواقع الصف الأول الأخير لقيادة مجلس النواب، حيث ترتيبات غير مفهومة انتهت بتأثيرات صاغت الشكل الحالي والجديد للجان التشريع البرلمانية. ومرة أخرى، بعيداً عن عناصر المهنية والاختصاص، برأي من يراقبون مشهد البرلمان، بما في ذلك بعض النواب أنفسهم.
طبعاً، الأهم هو الخطوة التالية، وعلى حد تعبير نائب رئيس مجلس النواب أحمد الصفدي، الانتقال إلى خطوات منظمة يقوم الجميع بها بواجبهم لتنفيذ الرؤية المرجعية التي أسست لها وثيقة تحديث المنظومة السياسية.
كيف يمكن أن يحصل ذلك بعد تشويش اعتقالات الشباب والطلاب والأضرار الناتجة عن التوسع بالتعديلات الدستورية؟ سؤال يثيره غاضبون أو مرتابون أو قلقون بالجملة الآن. لكن هؤلاء لا يمسكون بزمام القراءة التي تفترض بأن عدة أسباب موضوعية وتنسجم مع المصالح في الداخل والخارج تدفع في اتجاه التحول الحقيقي نحو الحكومات البرلمانية أو الحزبية مستقبلاً.
وبما أن التحول جذري وعميق وجدي، تطلب الأمر تفصيلات وقياسات ضامنة لاستمرار التجربة وتنويعها، ما جعل تعديلات الدستور الأخيرة المتهمة بأنها تغرد خارج السياق أو توسعية، احتياجاً ضرورياً وملحاً لعقل الدولة وضماناً يكفل المضي قدماً بالمشروع.
تلك نظرية أو فرضية سياسية تسقط من الحساب أحياناً، لكن على أهميتها تبقى فرضية توحي ضمنياً، وهي تكشف أوراق وخلفية التعديلات الدستورية بأن عقل الدولة، وخلافاً لما أعلن سابقاً، لا يزال عالقاً عند مسألة منسوب الثقة بالعمل الحزبي وبتسليم الأحزاب السياسية، مستقبلاً، أي حصة كبيرة أو صغيرة من إدارة سلطتي التشريع والتنفيذ، مما تطلب دسترة الذراع الأمنية الجديدة التي تخصم ملفات الأمن والسياسة الخارجية من صلاحيات حكومات حزبية محتملة وقبل أن يندم الجميع. طبعاً هذا النمط من التفكير هو السائد في ذهن صناع القرار الآن، وقد يحتاج إلى معادلة «وسطية» أو تحسينية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق