اراء و مقالات

الأردن: الخصاونة تحت «نيران صديقة»… والرفاعي في «الاشتباك» و«التيار الإماراتي» قيد «مراقبة الشارع»

عمان – «القدس العربي» : لا يمكن اعتبارها مجرد ملاحظة عابرة في ممارسة النقد الذاتي فقط بقدر ما تعكس حالة انزعاج ما، وتفويضاً بالتعبير عن هذا الانزعاج في مركز القرار في الدولة الأردنية.
سمير الرفاعي رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، يقرر الاشتباك علناً وتسجيل هدف في مرمى العبارة الناقدة دفاعاً عن ما لمسه شخصياً في رؤية التحديث الملكية، وعن لجنته التي يبدو أن بعض الأطراف داخل الدولة، وليس خارجها هذه المرة، تسعى إلى تحجيم وثيقتها وتقليص مساحة الأمل والتفاؤل.
يعرف سياسي من حجم الرفاعي ما الذي يقوله ومتى وأين بالعادة؟ لذلك، كانت جملته النقدية التي ظهرت مساء الثلاثاء على هامش ندوة في جامعة اليرموك بامتيازات الحدث أو التطور الذي يستوجب التأمل، خصوصاً أن الأمر يخص هذه المرة غياب «أب محدد» يتحمل مسؤولية ما حصل بيروقراطياً في ملف «اعتقالات الشباب» .

«الاعتقالات مرفوضة»

بوضوح، أعلنها الرفاعي قائلاً إن تلك الاعتقالات مرفوضة، لا بل زاد إنها تعاكس الرؤية الملكية وتقدم للمجتمع رسائل مضادة للديمقراطية، وهي رسالة بتوقيع الرفاعي إلى الجهات الأمنية التنفيذية على الأرجح، من الطراز الذي لا يمكن ظهوره دون تقييم خبير وراء كواليس القرار لما حصل، خصوصاً أن مفهوم ومنطوق تمكين الشباب تعرض لضربة قوية فعلاً بسبب تداعيات تلك الاعتقالات.
والرفاعي «رجل الدولة والقصر» في الواقع لم يتوقف عند هذا الحد في جملته النقدية العلنية، بل دخل في التفاصيل أيضاً، وهو ينتقد حجم الكفالات التي حاولت جهات رسمية فرضها على شبان جامعيين مقابل تأمين الإفراج عنهم. وهي مسألة فنية تلامس الحكام الإداريين والسلطات الأمنية التنفيذية خلافاً، لأن الرفاعي نفسه قد يكون أول رمز من طبقة رجال الدولة الأقوياء يصف تعبير الأردنيين عن رفضهم للتطبيع «أمراً مقبولاً». تلك لهجة جديدة قد تؤشر إلى أن المستوى المرجعي يصنف اعتقالات الطلاب في السياق الذي تحدث عنه الرفاعي.
وقد تؤشر – وهذا الأهم – أن اتفاقية الماء والكهرباء التطبيعية مع الإسرائيليين – إذا ما جاز التحليل – متعبة ومرهقة وليست في مكانها، لا بل قد تخضع للمراجعة أو لا تكتمل مسيرتها، خصوصاً في ظل التعقيدات الفنية المرتبطة أيضاً بعناصر خارج السيطرة، من بينها التلوث البيئي والتأثير على حركة الطيران المنخفض. ومن بينها أيضاً صعوبة تصديق الرواية الإماراتية حول تحلية مياه من المتوسط ونقلها إلى عمان صالحة للشرب والري الزراعي، مقابل إغضاب الشعب الأردني برمته والعزف على أوتاره الحساسة في ظرف معقد، الأمر الذي يعني تلقائياً تدشين مرحلة مراقبة الشارع للنخب المتحمسة لتصورات الإمارات في مشاريع الاستثمار والطاقة.
مسألتان على الأقل يوحي خطاب الرفاعي في جامعة اليرموك بأنهما قيد المراجعة والتقييم: الأولى، تلك الثغرة أو الهفوة في المنظومة الأمنية التي دفعت في اتجاه ليس فقط اعتقال طلاب جامعات استفزتهم اتفاقية التطبيع الجديدة، ولكن نقلهم إلى عدة سجون واختيار أسمائهم بعناية، والإفراج عنهم بعد تضخيم الكفالات، إضافة إلى إبقاء شاب واحد في المحصلة قيد الاعتقال الإداري.
تلك مسألة في المنظومة الأمنية يقرر مطبخ اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية مواجهتها على الأرجح، فيما تبرز المسألة الثانية بعنوان ضجيج كان يمكن الاستغناء عنه لو أن وزارة المياه تعاملت بشكل مختلف معلوماتياً مع اتفاقية دبي المثيرة للجدل. قبل محاضرته المثيرة في جامعة اليرموك، كان الرفاعي نفسه يبلغ «القدس العربي» مباشرة بأنه منسجم مع ذاته ومع التوجيه الملكي، ومع القسم بخدمة الوطن والملك دون أي اعتبارات وبعيداً عن الكلف الشخصية والشعبويات.
طبعاً يمكن الاستناد إلى اشتباك الرفاعي هنا في التحدث عن مشهد بيروقراطي – سياسي انفلت قليلاً ويحتاج إلى مراجعة، خصوصاً أن ثلاثة ملفات شغلت الجميع مؤخراً، وهي إضافة إلى اعتقالات الطلاب واتفاقية دبي، جوهر وطبيعة التعديلات الدستورية التي رافقت تحويل مخرجات تحديث المنظومة إلى مجلس النواب.

حلقة ثالثة من الضجيج

في الحلقة الثالثة من الضجيج يمكن رصد رئيس مجلس النواب الأسبق عبد المنعم العودات، وهو يتحدث لبعض الزملاء والوزراء وبصفته مفوضاً في اللجنة القانونية للمجلس، عن ما سمّاه بـ»تحسينات» على صيغة التعديلات الدستورية التي قدمتها الحكومة.
عملياً، لا يمكن تعريف تلك «التحسينات» لكن الاستنتاج سريع بأن إشارة وتلميحات العودات تعني بأن مشروع التعديلات الدستورية بالصيغة التي قدمتها الحكومة خرج عن السكة أيضاً، فيما يلاحظ الجميع حمى الاستدراك، أو أن ذلك المشروع لم يكن هو المطلوب أو المقصود من حيث المبنى والمعنى.
في المقابل، قراءة ما بين أسطر المقال الذي نشره الأربعاء وزير الإعلام الأسبق سميح المعايطة، وهو يستخدم لهجة وأحياناً عبارات معارضين كبار مثل صالح العرموطي ومراد العضايلة، تؤشر على محاولة سريعة ومتسارعة لتحميل الحكومة الحالية مسؤولية الضجيج.
وهي مهمة لا يتطوع محترف مثل المعايطة بها بصورة شخصية بالعادة، وتوحي بأن مشروعاً يتشكل للإيحاء بأن كيفية تصرف الحكومة في بعض المسائل، مثل التعديلات الدستورية واتفاقية دبي، قادت إلى مشهد يؤسس لمواجهة كان يمكن الاستغناء عنها بين الدولة والرأي العام، أو بين الدولة والقصر الملكي، وهي تعبيرات استعملها في الحديث عن التعديلات الدستورية العرموطي، تحت القبة، واستعملها حرفياً أيضاً في مقابلة مفصلة مع «القدس العربي» الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، ما يعزز مساحة الاستدراك التي بدأ يتحرك بموجبها النائب العودات، وعلى أساس إخفاق الطاقم السياسي والقانوني في الحكومة بإدارة التفاصيل في الملفين، وبصيغة جعلته تحت قصف «نيران» تدعي الصداقة.
ثمة من يرغب اليوم وبعد التعديلات الدستورية واتفاقية الماء والكهرباء واعتقالات الطلاب، في تحويل الحكومة القائمة من تموقع يتحمل مسؤولية الدفاع عن خيارات الدولة وبشجاعة، إلى حالة تمثل حكومة ضعيفة تنتهي بتأسيس مواجهة بين الدولة والناس، وفقاً لتعبير مقال المعايطة.
هذا النشاط واضح على جبهة خصوم رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، الذي يحاول بدوره الاقتحام لصالح خيارات الدولة العميقة والنظام بروح فدائية إلى حد ما، حتى وإن خذلته تفاصيل الطاقم الوزاري وميكانزيمات العجز الإداري عن التصرف والإخراج.
في كل حال، وفي الخلاصة، فإن التقدير واضح بتحولات أساسية قيد الطهي في المشهد، عنوانها استثمار الأخطاء في ملف اعتقالات الطلاب لإخضاع المنظومة الأمنية بعد الآن، ثم إعادة صياغة التعديل الدستوري الذي تحمس له الخصاونة، والخاص بجزئية تشكيل المجلس الأمني الوطني. وثالثاً، تقلص فرصة اتفاقية دبي وظهور كلفتها العالية والتسبب بمراقبة أكثر بعد الآن للنخب التي يطلق عليها اسم «التيار الإماراتي» ضمن رموز التنفيذ والواقع الاقتصادي، وتلك معطيات لا تعني إلا أن التجاذب مستقر وقد يتمدد لاحقاً.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق