اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: انتعاش تهمة «تفكيك الدولة»

 

أسهل خيار دوما وسط نخبة النميمة في الأردن عندما يتعلق الأمر بالخصومة السياسية أو حتى الشخصية هو الدخول إلى مستودع الاتهامات المعلبة واخراج العلبة الأكثر شهرة واسمها «السعي لتفكيك الدولة والوطن».
طبعا ومن خلال التجربة يمكن لأي صاحب رأي مهني أو مستقل أو يغرد خارج السرب بمنطق أو بدونه أن يلطم رأسه بتلك الاتهامات بمناسبة وبدونها. ويمكن لأبناء الدولة والحكومة والإدارة انتحال التهمة واطلاقها كالحجارة أو الصواريخ ضد أي مواطن او زميل لهم عند الاختلاف أو الابتكار أو حتى عند التباين في الرأي والمنهج والتشخيص.
مؤخرا وبعدما تربع الخليج العربي في حضن المشروع الصهيوني أصبح اتهام أي صاحب رأي أردني بالعمل على تمكين العدو والتخطيط للوطن البديل خطوة تنتمي إلى عالم المسرح والفانتازيا وتثير الضحك.
بالمقابل انتعشت تهمة تفكيك الدولة والتي تطال اليوم على عتبة مئوية الدولة الأردنية العتيقة حتى مسؤولين كبارا في الدولة نفسها.
شخصيا لا تعجبني تلك النغمة التي يتبناها أحيانا بائسون ينتحلون صفة معارض في الخارج أو بسطاء يتقمصون دور الاعتراض في الداخل.
وهي النغمة التي يقول أصحابها بأن الحكومة الحالية برموز التيار المدني هي حكومة التفكيك، فالدولة الأردنية أصلب بكثير مما يعتقد الجميع وفيها من العمق والخبرة ما كفل طوال عقود صمودها في وجه اضطرابات الإقليم لا بل في وجه الاستهداف في الكثير من المحطات.
أسمع بالمقابل رجل دولة رفيع المستوى من وزن زيد الرفاعي وهو يبتسم عندما يسَأل عن التحديات التي تواجهها الدولة الأردنية فيجيب بإشارات سريعة مترفعة عن أن ما تواجهه الدولة اليوم سبق أن واجهته عشرات المرات في الماضي ومنذ 100 عام.
لا خيار أمام الأردنيين وبصرف النظر عن احتجاجهم أو اعتراضهم أو عدم رضاهم أو عكسه إلا التحلق حول مؤسسات دولتهم حتى عندما يخطئ جناح أو شخص أو مجموعة في الدولة.
لكن ما يحصل أحيانا أن بعض الحكومات «تخدش» عن قصد أو بنية مسبقة بعض المقدسات وتميل إلى العمل البهلواني في اقتراح مشاريع أو كلام كبير لا معنى له وتأخذ إجراءات غير مفهومة، كما تفعل الحكومة الحالية وهي تطرق رؤوس الأردنيين بمشروع انشائي كبير بمعدل اقتراح جديد كل شهر على الأقل.
مثل هذا النمط من الخدش قد يكون بريئا أو ينتج عن نية صافية مع رغبة في تطوير وتحسين خدمات القطاع العام.

لا خيار أمام الأردنيين وبصرف النظر عن احتجاجهم أو اعتراضهم أو عدم رضاهم أو عكسه إلا التحلق حول مؤسسات دولتهم حتى عندما يخطئ جناح أو شخص أو مجموعة في الدولة

وقد لا يكون لكن الأمر من المبالغ فيه أن يصل إلى تهمة السعي المنهجي لتفكيك الدولة فهذه الدولة أصلب وأعرق من مجموع الأفراد والتيارات فيها والتاريخ السياسي الوطني الحديث يقول بذلك.
والمطلوب من الحكومة الحالية أو التي تليها فقط العمل بدون الكثير من الكلام على جزئية محددة في الاصلاح البنيوي الوطني دون الإفراط في المشاريع لأن الحديث هنا عن مؤسسة مستقرة تماما اختبرها الأردنيون واختبرتهم.
الحالة الأردنية فريدة فعلا حتى وصلت لأن الدولة تعبر عن الهوية السياسية للناس وهذا حقيقي وليس مفبركا لأن دولة الأردنيين أصلا هم الذين يقودونها وهم أساسها ويشكلون بنيتها الاجتماعية والنخبوية والهيكلية.
والمطلوب أيضا على هذا الأساس أن تتوقف تلك الاجتهادات وعمليات الخدش غير المبررة لما هو مستقر في وجدان الأردنيين عن مؤسساتهم.
إذ خططت أي حكومة لحالة تكتفي فيها شر تهمة التفكيك المعلبة المشار إليها فهي مدانة وعليها أن تثبت البراءة لأن المراقب لن يجد اردنيا واحدا فقط يقبل بفكرة الالتفاف على الدولة ومؤسساتها خصوصا السيادية منها حتى وإن وجد المراقب نفسه مئات الأردنيين الغاضبين لأي سبب ومن أي نوع.
لا أتهم الحكومة وطبعا لا يمكنني أنا أو غيري تبرئتها. وأجد نفسي مضطرا للإصغاء عندما يحدثني بعض أركان المجتمع والتجربة عن سيناريوهات تفتيت وتفكيك لا أحد يطلبها والاستمرار في تداولها والتحدث عنها لا يخدم إلا تلك السيكولوجيا الخبيثة التي تحاول انتاج الانطباع بأن الدولة تتبدل وتتغير بنيويا وهو أمر دونه خرق القتاد بالنسبة للأردنيين.
لكن على الحكومة أن لا تعتبر نفسها خارج أي شبهات في مسألة التفكيك وحتى يظهر الفارق وطنيا بين التطوير والتغيير الايجابي والتفكيك ثمة أسئلة مطروحة واجب الحكومة أن توضحها وتشرح الاجابات عليها.
وواجب الحكومة أيضا التوقف عن خدش مقدسات الأردنيين ومؤسساتهم بعد الله والوطن والعرش.
تلك مفارقات تبدو حساسة أحيانا لكن الاجابة عليها مهمة بنفس الوقت فالحكومة استبدلت بدون مبرر برنامج خدمة وطن ببرنامج جديد ومسلوق اقترحته وزارة العمل باسم خدمة العلم.
والتوسع في اجبار الأردنيين على التسجيل بالضمان الاجتماعي مثير للارتياب وقصة البلاطة التي تحتها المليارات كذلك وأيضا المشاريع الاستثمارية الكبيرة التي تقبع في أدراج البيروقراطية والتوسع الأفقي غير المفهوم برفقة خطاب شعبوي تحت عنوان مكافحة الفساد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق