اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: لعبة الظل مجدداً وأزمة المعلم في بنية وموروث الدولة وليست مع الشارع

نقاشات حيوية بين وزراء الاختصاص و«التلاوم» سيد الموقف

 

تبدو لعبة «كلمات متقاطعة» أكثر من كونها «استراتيجية إدارة عليا» عندما يتعلق الأمر ببعض أحرف السطر المخفي مجدداً في عمق أزمة القرار الأردني عند التفاعل مع «أزمة إضراب المعلمين».
خطاب حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز واضح ومكثف هنا بعنوان «أزمة الخزينة المالية موروثة.. والتصعيد والتخشين الأمني عابر للحكومة». هذا الخطاب طبعاً خلف الكواليس يقال ويتردد رداً، لكن بصورة غير مباشرة، على خطاب بعض أجنحة القرار في الدولة وهو يصنف: «أداء الوزراء والحكومة سلبي ومتراجع، والرزاز لا يجيد التعامل مع الأزمة، وجاهزية فريقه متكلسة».
خطابان هنا وراء الستارة يتمركزان حول «التلاوم» ويعكسان «سوء النوايا» بقدر ما يعكسان الابتعاد عن الرؤية «الملكية» التي قالت، وعشرات المرات علناً وفي الغرف المغلقة، بأن على الجميع العمل بـ»روح الفريق الواحد». فقد نجح الرزاز فعلاً وحقاً على هامش أزمة إضراب المعلمين ليس في التعبير عن عدم وجود «حلول ومعالجات» لديه، بل في أن يقول ضمنياً إن «الأزمة» ليست في طاقمه ولا في فريقه ولا حتى في الحكومة.

ذلك تغيير دراماتيكي في الموروث المعني بالأمن السياسي الذي يحتمل فيه بالعادة «صدر أي حكومة» كل عمليات القصف والرد الناتجة عن «قرارات أو سياسات خاطئة» بما فيها تلك التي لا يمكن للحكومة أن تكون مصدرها أصلاً. قالها الرزاز علناً وعدة مرات، وأمام «القدس العربي» مرتين.. «أنا رئيس وزراء لست منتخباً ولم تحملني الجماهير على أكتافها»، وفي مجالسات خاصة جداً وأثناء محاولات الإفلات من»الرقابة»، يلمح مقربون من الرجل إلى أن «مبدأ الولاية العامة» بمعنى جعل الربط والحل بيد الحكومة فقط «بعيد المنال».
عملياً، يثبت الرزاز أن «غياب الولاية العامة» له «كلفة» أقلها وأصغرها أن الوفد الوزاري المفاوض للمعلمين يستطيع وباسترخاء التلميح إلى أن» التخشين الأمني» ليس «صناعة حكومية»، فقد ورد تلميح من هذا النوع في أحد الاجتماعات من وزير التربية والتعليم الدكتور وليد المعاني. وعندما يتعلق الأمر بـ»آثار أي قرار مالي» لا يتردد إطلاقاً وزير المالية عز الدين كناكريه بترديد عبارة..»مش شغلي» التي يسمعها جميع الوزراء من زميلهم «المحاسب» برتبة وزير، على حد تعبير عضو البرلمان الأسبق المختص يوسف القرنة وهو يتحدث إلى «القدس العربي» عن الفارق في الإدارة المالية ما بين عقلية المفكر وعقلية المحاسب.
وعندما لمح وزير الداخلية سلامة حماد إلى أن «الإدارة الأمنية الداخلية» مسؤوليته الحصرية ولا يملك أحد في أي موقع حق مشاركته فيها يصبح الخيار الوحيد أمام «وزير زميل» هو توسله على الطريقة العشائرية حتى «يؤجل قراره» باعتقال مسيئين من نشطاء الشارع على أساس «التوقيت السياسي».
الأهم والأكثر دلالة على تلك الفوارق والمقاربات يتمثل في لغة الرئيس الرزاز نفسه وهو يكرر «كلام المجاملات» عن «كرامة المعلمين» دون أدنى تلميح إلى أنه يستطيع التصرف كرئيس وزراء ويأمر بـ»التحقيق» في تجاوزات رجال أمن قال المعلمون إنهم «أساؤوا إليهم»، أو حتى دون توجيه أي أمر لأي موظف أو مسؤول بإطلاق عبارة «اعتذار» جف حلق نقابة المعلمين وهي تطالب به.
السؤال الحساس هنا: هل لا يريد الرزاز إصدار توجيه بـ «تطييب خاطر المعلمين» لأنه «لا يملك الولاية العامة» فعلاً، أم يريد أن يثبت وتحديداً لشركاء القرار بأن «نقص ولايته العامة» أمر تأزيمي وينتهي بكلف على المؤسسة وليس الحكومة فقط؟
مسألة الاعتذار عن «تصرفات أمنية خاطئة» كانت تحل دوماً على طريقه أردنية قوامها «اعتذار سياسي» وأمر لا معنى له ولا يطبق بـ «التحقيق». ذلك لم يحصل في حالة المعلمين، والأسباب غامضة، رغم إدراك جميع الأطراف أن أي نوع من الاعتذار البيروقراطي للمعلمين لا يعيب الدولة، ويمكنه أن يؤثر بصورة ساحرة في نزع فتيل الاحتقان ويخفف من التعاطف الشعبي مع المعلمين.
ثمة «همس» مرصود بلسان طاقم الرزاز يحاول التأشير إلى أن التخشين الأمني لم يكن أصلاً خياراً حكومياً. وطوال عقود في إدارة الحكومات الأردنية، لم يكن ذلك هو «النمط المتبع» مما يرجح في حالة التعمق السيناريو الذي يؤشر إلى أن طاقم الرزاز يريد أو نجح بنسبة ما في القول بأن «الأزمة في جوهرها ليست عند الحكومة ولا طاقمها».
وأخطر ما في هذا الدرب توجيه بوصلة اللوم أو النقد إلى جهات غير حكومية تستحكم في ملفات ليست بعهدة الحكومة أصلاً، إضافة إلى محاولة التغطية على «تقصير الحكومة»، خصوصاً أن الانطباع النخبوي العام يؤشر إلى أن «آخر رئيس وزراء» من حقه التحدث عن غياب الولاية والتدخل في عمله هو الرزاز نفسه، بسبب تغذيته بـ»دلال» غير مسبوق طوال الوقت وعدم التدخل بثلاثة تعديلات وزارية أتيحت له، وبسبب السعي لوقف التذمر عبر وضع شخصيات كانت تعمل على ملفات في مؤسسات سيادية تحت مظلة الحكومة في مجلس الوزراء.
في المقابل، يحاول «شركاء الحكومة» الطبيعيون في القرار، بحكم الواقع الموضوعي أو «حكومات الظل» كما تسمى بين الحين والآخر، «لفت النظر» إلى أن سبب الأزمات تقصير حكومة «تدللت جدًا» يترأسها مثقف يؤمن بالتيار المدني ولا ينتمي إلى النادي التقليدي ولا يرسل ما يكفي من رسائل التطمين والضمانات، ويطلق كل أجراس الإنذار باقتراح صيغة «ثورية» لقانون انتخاب جديد، وعدد من وزرائه متوقفون عند عقدة «الدوار الرابع».
باختصار وسياسياً… هذه مناولات تعني أن «أزمة المعلمين» وغيرها في بنية الدولة وعقلها ومؤسساتها، وليست في الشارع أو مع الإخوان المسلمين أو مع نقابة المعلمين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق