اراء و مقالات

الأردن: وصفة «الإصلاح» الأجنبية أم «النسخة المحلية»؟

عمان – «القدس العربي»: المشهد السياسي والنخبوي الأردني في حالة سكون أو صمت تكتيكية على الأرجح، في خطوة لا بد منها ويمكن فهمها وهضمها جراء نمو الجدل والنقاش وأحياناً التجاذب تحت عنوان الإصلاح السياسي المنشود، في الوقت الذي يحذر فيه خبراء عميقون على صلة بالاتصالات مع السفارات الغربية وطبيعة فهم الإدارة الأمريكية الجديدة لملف الحريات والديمقراطية من «تباطؤ مقصود» أو «فهلوة حوارية».
ذلك طبعاً تحت عنوان الحديث عن ضرورة الانتقال وفوراً وبأسرع وقت ممكن وبصورة فعالة نحو إصلاحات جذرية وعميقة في الأردن. ويبقى الإشكال كامناً في تلعثم نخبة من كبار السياسيين عندما يتعلق الأمر بأي محاولة لتعريف عبارة «عميقة وجذرية» عندما يتعلق الأمر بأجندة الإصلاح، فالملك عبد الله الثاني وفي شهر شباط الماضي وقبل الإعلان عن مخطط لزعزعة أمن واستقرار الأردن بمشاركة ولي العهد السابق الأمير حمزة بن الحسين، كان قد أصدر توجيهاً بمراجعة تشريعات الإصلاح السياسي. مبكراً كان الانطباع بأن تلك المراجعة ستشمل بوضوح الملف الشائك أكثر من غيره، وهو قانون انتخاب جديد.
ومبكراً وأمام «القدس العربي» تحدث وزير التنمية السياسية وشؤون البرلمان موسى المعايطة، عن صعوبة الاعتقاد الآن بأن قانون الانتخاب الحالي الذي جرت بموجبه انتخابات 2020 المثيرة جداً للجدل، أصبح قابلاً للتمدد والحياة؛ فقد خرج هذا القانون عن إطاره ولم يعد حتى برأي الوزير المعايطة، قادراً على التعبير عن الحالة الديمقراطية الأردنية أو عن المطلوب من احتياجات التنمية السياسية.
ما الذي يعنيه ذلك بصورة محددة؟
قد لا يعني الأمر أكثر من حالة يحذر منها ناشط سياسي بارز وصاحب رأي متحرك ومرن مثل مروان الفاعوري، وهي الاعتقاد أو ترويج الوهم مجدداً بأن مسألة الإصلاح السياسي يمكن اختصارها بحوار أقرب إلى صيغة الديكور الحواري منه إلى الحوار الحقيقي والعمل على إجراء تعديلات طفيفة فقط على قانون الانتخاب.
الفاعوري ينضم لعشرات السياسيين والمثقفين الذين يحذرون من محاولات مسبقة لتحجيم مبدأ مراجعة التشريعات المعنية بالتنمية السياسية، وأهمها طبعاً تشريع قانون الانتخابات وتشريع قانون التعددية الحزبية. ولا يوجد بالمقابل ضمانات بأن تكون مثل هذه التحذيرات – وهي بالمناسبة منتشرة في الخريطة السياسية والنخبوية الأردنية – ملزمة للسلطات التنفيذية في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن النقاش بدأ يمتد للعديد من المساحات التي كانت القوى السياسية تحجم عن الحوار فيها في المرحلة المستقبلية اللاحقة.
في السياق، ليس سراً أن دوائر القرار وبعض المستويات النخبوية في الحكومة وبعض المؤسسات السيادية تخشى من أي صيغة لتفسير خاطئ لأي تنازلات يمكن أن تقدمها الدولة لصالح المسار الإصلاحي والديمقراطي في الأسابيع القليلة المقبلة وعلى أساس الهاجس من تولد مشاعر بأن الدولة في حالة أضعف بعد الفتنة والمؤامرة التي اتخذت طابع زعزعة أمن واستقرار الأردن. وحتى لا تفسر اتجاهات الدولة الإصلاحية في هذا السياق بطريقة خارج السياق يمكن أن تؤدي إلى إملاء بعض القوي ومراكز القوى السياسية لشروطها على الدولة ومراكز القرار.
وهنا يمكن تلمس المخاوف من إملاءات محتملة، سواء من التيار الإسلامي الذي يمثل القوة المركزية الأساسية في خارطة القوى الاجتماعية والحزبية، أو من التيار المدني الذي يعتبر في دائرة الخصومة مع الدولة العميقة منذ سنوات طويلة.
ثمة مخاوف حقيقية من أن يؤدي تفعيل نشاط إصلاحي تحت العنوان السياسي تحديداً إلى تعزيز مشاعر بعض القوى في الواقع والخريطةبأنها تضخمت وبأن فاتورة الإصلاح المطلوبة أصبحت أكبر من أي وقت مضى. وهي مسألة فهمت «القدس العربي» من مصادر موثوقة في الحكومة بأنها تراقب بدقة شديدة حتى لا تتشكل انطباعات بأن الدولة تتجه نحو الإصلاح، أو الحكومة الحالية تتجه نحو مسارات الإصلاح الثلاثية اقتصادياً وسياسياً وإدارياً تحت ضغط مرحلة ما بعد الفتنة الأخيرة، أو تحت ضغط الشعور بوجود إشكال يتطلب رفع فاتورة الإصلاح السياسي.
بالتالي، يمكن القول وببساطة بأن مراقبة الخطاب الرسمي ودوائر العمق تنتهي بإشارات واضحة، على أن المطلوب عملية إصلاحية سياسية مبرمجة وتحت الرقابة ولا تسمح بعبور إملاءات وشروط من أي قوى في الشارع أو الخريطة الحزبية على مراكز القرار أو على التصورات الأمنية والبيروقراطية في إدارة الدولة.
وهي مسألة تتطلب – في رأي المراقبين – مقاربة قد تكون مختلفة ودقيقة وأكثر عمقاً من التركيز فقط على المناشدات الإعلامية والعامة في سياق الاتجاه الإصلاحي.
يحصل ذلك فيما يركز الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، على أن المسألة لا تتعلق فقط اليوم بحوار سياسي عميق جذري وجدي ينتهي بتوصيات تساعد على معالجة التجاذبات، كما فهمت «القدس العربي» مباشرة، لكن المطلوب أيضاً نهايات واضحة وأسقف زمنية وضمانات بالتزام الحكومة بتنفيذ أي توصية يصل لها ذلك الحوار.
وفي الوقت نفسه، تحاول بعض الأوساط الدبلوماسية، وتحديداً الغربية، ترويج ذلك السيناريو الآن الذي يفترض بأن الأردن، وبعد الثالث من نيسان وتحديداً إثر الإعلان عن فتنة كبيرة لزعزعة الأمن والاستقرار، يقف على مفترق طرق إصلاحي، ويقف أمام تصورين للمضي قدماً في الإصلاح: الأول إصلاحي سريع عبر وصفات يقترحها الآخرون خارج المملكة، وتحديداً المستشارون والمسؤولون الكبار في الإدارة الأمريكية بصورة خاصة، وثانيها تصور وطني يتسابق خلف الستارة والكواليس مع التصور الذي يمكن أن يفرض من الخارج أو يتم الضغط على المملكة لتفعيل أجندته.
وسط هذين التصورين يمكن التحدث عن مقاربة على مسافة واحدة منهما أقرب للصياغة الوطنية وأكثر قدرة على البقاء والاستمرار والصمود. لكن من المرجح أن وجود سباق أصلاً بين تصورين أحدهما خارجي وآخر داخلي، هو أيضاً محصلة لارتباك المشهد الداخلي بعد الثالث من نيسان، ومحصلة للضغوط الشديدة التي تمارس على الحكومة الآن في خيارات الإصــلاح.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق